الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | «حوش العبيد»... خارج حدود الزمان والمكان

«حوش العبيد»... خارج حدود الزمان والمكان

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

رانيا حمزة

يقال ان مآسي المرء في حياته هي مجموعة اختبارات يضعها القدر في دربه ليعرف مقدار تحمله للصعاب ومدى قدرته على مواجهة الآلآم وتخطيها. أحياناً تصل شدة معاناة المرء به لدرجة تجعله يؤمن بالعذاب كمسيرة عيشٍ تجعله يستسلم لليأس، انطلاقاً من مبدأ ألاّ مهرب من قدرٍ محتوم فهل يملك النهر تغييراً لمجراه؟ وأحياناً أخرى قد ينبعث من ظلمات الحياة بصيص أملٍ من حيث لا يدري فيقلب كل موازين القهر ويبدلها ويسقط كل معادلات اليأس لتولد قواعد أملٍ جديد يرسم في داخل الإنسان دورب للسعادة...

اسمه يختصر كل معاني العنصرية والإضطهاد،  واقعه مرير يعكس كل أشكال الحرمان والإهمال لتجده مرآةً لأوجاع ومعاناة مناطق بأسرها، إنه “حوش العبيد” ومن ذا الذي لم يسمع به إنه أحد مناطق مدينة الميناء التي باتت شبه منفية ومنسية من شدة الإهمال.

وكان الزمان لا يمر على منطقة الحوش وسكانها، فالحال كما هو منذ عقودٍ خلت وكان أبناء الحوش باتوا يتوارثون العوز ويتناقلون الفاقة ويعيشون الحرمان بأبشع صوره.

لسنوات خلت كان اسم منطقة “حوش العبيد” يبعث الخوف داخل من يسمع به فهو ظل لعقود منصرمة لغزاً دفيناً لمنطقة يعيش فيها سكان لهم طبعهم الخاص وأسلوبهم في الحياة الذي جعلهم بمنأى عن محيطهم ونأى باللذين حولهم عنهم الأمر الذي حول لغز هذا المكان الى أشبه بأسطورة من أساطير الزمان.

تتعدد القصص والروايات عن جذور سكان هذه المنطقة وعن نمط حياتهم الذي كثيراً ما يوصف بالإنطوائية والتقوقع على الذات، وهذه القصص تكون في بعض الأحيان مجحفة بحق أبناء الحوش وظالمة في إطلاق الأحكام عليهم لدرجةٍ تتناسى في كثير من الأوقات أن هؤلاء الأشخاص هم بشرٌ لهم حقوق كما عليهم واجبات،  وأهم حقوقهم  الحق في العيش حياة كريمة والحق بالسعادة والأهم أن لديهم الحق بفسحة امل تضيء حياتهم التي ورغم كل الروايات اتسمت بالإسودادية والمعاناة...

من المعروف للجميع ألاّ أحد يدخل الى “حوش العبيد” سوى أبناءه فطبيعة هذه المنطقة والإهمال والإنعزالية التي عاش فيها أبناءها لعقود ولدت داخلهم أسى كبير جعلهم يتحدون دفاعاً عن معاناتهم وحماية لبعضهم البعض ضد من يحاول أن يخرق قدسية أوجاعهم لمجرد أن فضوله يدفعه الى زيارة هذا المكان ويرحل وحسب،  الأمر الذي جعل اللغز يكبر ويتضخم أكثر فأكثر في حين أن الحقيقة الأصدق تقول، ألاّ شيء يتضخم ويزداد في هذا المكان سوى حجم الإهمال وشدة المعاناة.

رواق طويل يقودك الى داخل “حوش العبيد” تشعر خلاله وكأنك أصبحت خارج حدود الزمان والمكان. جدر مهلهلة في مكان ومهشمة في أماكن أخرى لدرجة تجعلك تشعر ان بقاءها صامدة دون أن تسقط هو رأفةً منها بحال سكانها لأنه فيما لو فقدت قدرتها على الصمود وهوت حكمت على سكانها في التشرد على الطرقات.

نوافذ نخر السوس والعفن أخشابها وإلتهم الصدأ المعدن فيها، أما السير في الأروقة الداخلية للحوش فلا يخلو من صحبة النفايات المكدسة على الجوانب وفي الزوايا، فيما أرضية المكان مرت عليها عوامل التآكل والتعرية مراراً وتكراراً دون أن تشهد مسحة إصلاح ولو عن طريق الخطأ، وإن كان حال البناء والهيكل لا يعبر تماماً عن رداءة أحوال أبناء هذه المنطقة إلاّ أنه يعدّ نبذة بسيطة من حجم مصابهم الجلل.

حتى الأمس القريب هكذا كان الوضع في “حوش العبيد” إهمال وحرمان بعثا في داخل سكانه نزعة نحو الإنعزال عن محيطهم الإجتماعي والإنطواء على ذاتهم الامر الذي بنى في مكان ما حاجزاً كبيراً بينهم وبين الآخرين.

لكن يبدو أن هذا الحال المرير لن يستمر بعد الآن، ويبدو أنه ما بعد الضيقة إلاّ فرجٌ، فعلى الرغم من كل القصص والروايات التي طالت هذه المنطقة إلاّ أنه وُجِدَ لدى مجموعة ناشطة ومحبة للتغيير إرادة لتخطي كل الحواجز ومساعدة أهالي المنطقة الى الخروج من ماضيهم المصبوغ بالعنصرية والتطرف والملون بأشكال مختلفة من المآسي، ومساعدتهم قدر الإمكان على تحسين أوضاعهم المعيشية وإعطاءهم لفتة إهتمام تبعث لديهم الأمل بالحياة من جديد .

الفكرة بدأها فريق عمل يتكون من مجموعة شبابية ناشطة من أبناء الميناء، أطلقوا مشروع “حارة نظيفة” حيث سعوا من خلاله  الى تنظيف وتجميل أحياء مدينتهم قدر الإمكان فكانت البداية منذ نحو الشهرين في شارع  فرح أنطون لينتقلوا بعدها بين الأحياء حتى حطت رحالهم عند “حوش العبيد”.

وقد كان لـ ”الشمال اليوم” حديث مع عضوا مجلس بلدية الميناء روجيه بافيطوس والمحامية رلى درباس وهما أحد المشاركين في مشروع “حارة نظيفة”.

دهاناتٌ جديدة...حياةٌ سعيدة

وقد تناول بافيطوس الأوضاع الإجتماعية في منطقة “حوش العبيد” وورشة العمل المزمع تنفيذها في هذه المنطقة والتي من المفروض أن تنعكس إيجاباً على سكانه فقال:” بداية مشروع “حارة نظيفة كانت في شارع فرح أنطون لكن أساس الفكرة أنه في حال نجحت التجربة سيصار الى تصديرها الى باقي الأحياء والشوارع في المدينة لذا من فرح انطون الى شارع الدكتور يعقوب اللبان الى شارع البلدية وبور سعيد إلخ .. وصولاً الى هذه المنطقة. واختيارنا للحوش إنطلق من ركيزتين أساسيتين: الركيزة الأولى هي أن هذه المنطقة تعد من أكثر مناطق الميناء إهمالاً وحرماناً على الرغم من أنه يوجد غيرها كقواص الحمام وحارة التنك والمعروفة بالمساكن الشعبية... أما النقطة الثانية فهي أن أرض هذه المنطقة عقارياً ليست لسكان الحوش وإنما لأناس آخرين بالتالي ليس بالإمكان القيام بعملية صيانة لأساسات الأبنية وغيرها من الإصلاحات التي قد تعدّ غير قانونية، لكن من جهة ثانية بالإمكان القيام بعملية تجميل للأبنية في الحوش من خلال طلائها وإزالة النفايات والكثير من الأمور الأخرى إضافة الى ذلك فإن الحالة الإجتماعية والإنسانية لأهالي الحوش يرثى لها، فقر، حرمان وإهمال من كافة النواحي فضلاً عن الصفة العنصرية المطبوعة في أذهان البعض عن هذه المنطقة من هنا كانت الحاجة الملحة للتغيير”.

تابع:” وبالفعل حصل تواصل بين لجنة الحي في منطقة الحوش وهي مؤلفة من 17 شخصاً إطلعنا من خلالهم على مطالب الأهالي وأبرز مشاكلهم والتي كانت على رأسها مسألة النفايات المكدسة وعليه قامت بلدية الميناء بإرسال  جرافات لإزالتها لأنه  كان قد مضى زمن عليها فلم يكن بالإمكان إزالتها عن طريق العمال وحسب. لكن واجهنا عائق التمويل، فالعمل على هذا المشروع بمبادرة فردية لم يكن ممكناً، وبحاجة الى تعاون ثلاثي الأبعاد قوامه البلدية، الممول، ولجنة الحي، وتقوم البلدية بالتنسيق مع الطرفين الأخرين. ويبدو أن أصداء نجاحاتنا في باقي الأحياء وصلت الى القيمين على جمعية “عطاؤنا”، فأحبوا أن يسهموا معنا في تجميل الحوش وتحسين أوضاعه قدر المستطاع، وقد عرضوا علينا تمويل المشروع وبناءً عليه جرت نقاشات مطولة تلاها زيارة الى حوش العبيد  والإجتماع مع لجنة الحي، في المكان وجرى حوار ومناقشات أدت الى تواصل إيجابي بين جميع الأطراف”.

أضاف:” في الواقع ان نجاح هذا المشروع لن يؤدي الى تجميل صورة الحوش الخارجية وحسب وإنما سيحدث إندماجاً بين شباب من بيئات وعادات وتقاليد ومعتقدات مختلفة”.

 أما الخطوة الثانية التي تلي عملية دهن الحوش فهي بحسب بافيطوس القيام بتغيير اسم المنطقة وعن هذا الأمر قال:” ان العمل على تغيير اسم الحوش هو في سبيل نزع الصبغة العنصرية عنه والتي طبعته لعقود، حيث من المفروض أن يتم استبدال اسمه بشارع الحرية وأظن أن هذا التغيير سينعكس إيجاباً على أهالي هذه المنطقة. والحقيقة أني أجد أن منطقة الحوش هي إحدى كنوز الميناء التي تضفي على المدينة  إضافةً لتنوعها الطائفي تنوعاً عرقياً مميزاً”.

من جهتها المحامية رلى درباس أكدت ماجاء على لسان بافيطوس قائلةً:”ان نجاح مشروع “حارة نظيفة” في باقي الأحياء انعكس أصداءً إيجابية من هنا تمكنا من استقطاب ثقة الممولين والجمعيات الأهلية المهتمة و هكذا،  تمّ اللقاء مع جمعية عطاؤنا التي عرضت  مساعدتها في مشروع دهان الحوش وتجميله”.

“عطاؤنا” تزور الحوش
وفي سياق المشروع الذي بدأ وضع مخططٍ جديٍ له ، قام وفد من جمعية عطاؤنا ومجموعة طالب والمجلس البلدي للشباب إضافةً الى أعضاء من مكتب أصدقاء بلدية طرابلس الذي أطلق مؤخراً، بزيارة إلى حوش العبيد، وقد ضم الوفد رئيس جمعية عطاؤنا عبد الرزاق اسماعيل، مدير التدريب في الجمعية توفيق علوش ومدير المشاريع جان حجار.

وقد إستقبل الوفد رئيس اللجنة التنفيذية لحوش العبيد الشيخ عماد بخيت وأعضاء اللجنة، وقاموا جميعاً بجولة في المكان مع الشيخ بخيت،  حيث عاد بالحاضرين الى أساس نشأة هذا المكان مقدماً نبذة موجزة عما عاشه أهله من معاناة خلال حقباتٍ خلت وكيف كافحوا وصمدوا في ظل غياب أدنى وسائل العيش الكريم واللائق، فلامياه تصل إليهم ولا كهرباء وعمال التنظيف ظلوا لسنوات خلت في غياهب النسيان.

كما أعطى البخيت نبذة عن الحياة الإجتماعية والصحية والتربوية للحوش ولم يخلو حديثه من التطرق الى الشأن السياسي الذي فرض نفسه، فكان لبعض السياسيين نصيبهم في حديثه فتحدث عن وعود البعض الفارغة وكيف ترسم لهم في الإنتخابات قصور في الهواء تتبخر فيما بعد ولا يكون لها اساس على أرض الواقع.

بخيت في حديثه لم ينكر حالة الإنعزالية التي عاشها أهالي الحوش بعيداًًًًًًًً عن محيطهم الإجتماعي، عازياً السبب لطبيعة المنطقة المميزة فضلاً عن حالة سكانها الإجتماعية المتردية دون أن يجدوا من يتطلع لهم آملاً أن يبدل هذا المشروع حياة أهل الحوش الى الأفضل ويجعلهم يثقون مجدداً بالحياة ويستعيدون أملهم بها.

وفي ختام الجولة،  قدم الشيخ بخيت دراسة شاملة إلى رئيس جميعة عطاؤنا إسماعيل تتضمن مخططاً  لتحسين الواجهة الخارجية والداخلية للحوش الذي سيطلق عليه قريباً “شارع الحرية” وبدوره وعد إسماعيل بدراسة مطالب أهله والسعي جاهداً لتنفيذها بالتعاون مع كل الجهات المتطوعة في مهمة تجميله والعمل قدر الإمكان على تحسين أوضاع سكانه الحياتية من مختلف النواحي.

وعن زيارة وفد جمعية عطاؤنا للحوش قال كل من  بافيطوس و درباس:” نحن نعلق على هذا اللقاء أهمية كبيرة ليس لتحسين الظروف التي يعيش بها أبناء هذه المنطقة وحسب بل أيضاً للإطار الجامع الذي سينتج عنه نجاح هذا المشروع، فهنيئاً للميناء بأبناءها”.

إذاً يبدو أنه وبعد عقود من المعاناة جراء العنصرية أحياناً والإهمال على الدوام، هاهو حوش العبيد اليومن  يحظى بإهتمام جامع لأبناء طرابلس والميناء في آنٍ واحد، فشباب المنطقتين اتحدوا في سبيل فك القيود التي وضعتها جيوش الإستعمار وكرستها الطبقية والنزعة العنصرية لدى البعض، وإذ نجد اليوم أن صبغة العبودية هي الى زوال ليحل محلها شارع الحرية الذي سيريح أهل هذه المنطقة من النعت العنصري الذي لاحقهم على الدوام.

وبعد، ربما من الأجدى لو أن الدولة والجهات المعنية فيها تقوم بتشيد مساكن جديدة ينتقل إليها سكان هذه المنطقة عوضاً عن ان يبقوا في أراضٍ عاجزين عن إستملاكها لأنها ملك لآخرين، أسوةً بأهالي خان العسكر في طرابلس، لكن الى ذلك الحين عسى أن تبدل لمسة الإهتمام من قبل شباب الميناء حياة سكان شارع الحرية “الجديد” ويتمكنوا من كسر حواجز الإنعزال.

هؤلاء القوم الذي يتعلم المرء من معاناتهم وإذلالهم لزمن قيمة الحرية وسيادة النفس قد آن الأوان ليخرجوا من أسر الحوش المرير الى طريق الحرية المطلقة...

hawsh02_959080994.jpg

hawsh05_804587391.jpg

hawsh07_568013353.jpg

hawsh08_303044317.jpg

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (3 مرسل):

يوسف في 03/06/2019 02:53:37
avatar
لا اري مبررا في هذا القرن من العرب ان يجعلوا اخواننا عبيد ومنفصلين عن المجتمع العربي .ثقافة العربية هي شاقة جدا لم تقبل اي تنوع في الدين او اقلية عرقية او اللون فتعيش منفصلا عن المجتمع الذي يتباها باصلة ويدعي خير امه .هؤلاء هم بشر .لكن اشرار البشر جعلوهم عبيدا ورفضوا خلقة وهيئة واللون الذي خلقهم الله
مقبول مرفوض
0
ابو سماهرالسكري في 26/08/2012 08:22:37
avatar
تعود بداية تأسيس هذا الحيّ إلى أواسط القرن التاسع عشر حيث قطن تلك المنطقة وافدون من افريقيا، هربًا من أوضاع اقتصادية أو أمنية وطلبًا للعمل في الميناء. أبنية هذا الحيّ متلاصقة وفيه صناعات حديدية.ومن أول الوافدين إلى الميناء من سكان حوش العبيد: موسى العبد والحاج أحمد مرجان والحاج عبدالله النعسان الملقّب بالأسمر.وأوّل من جاء بـهولاء الأفارقة إلى الميناء الرّيس حسن درويش على متن سفينته الشراعية (سْكونة).

وباعتقادي أن الانسان الاسود هو من بني ادم فيجب ان لانحقر هذا الجنس لأن أكرم الناس عند الله أتقاهم وليس من الانسانية أبدا أن نصنف أو نزدري أي إنسان، وكثير من أهل طرابلس فيهم الخير ولايفرقون بينهم وبعض هؤلاء يعتبروا طرابلسيين أكثر من بعض العوائل التي تمدنت وهجرت الضيع واستوطنت طرابلس.
والشكر لكل من يساهم في حل مشاكل أهالي طرابلس فهذه المدينة ظلمت كثيرا على مر العصور ومع ذلك ستبقى مدينة العلم والعلماء
مقبول مرفوض
0
عوض مبارك في 02/07/2012 23:48:34
avatar
ارى انك يااخت رانيا قد تطرّقت فقط لإنعزال
اهالي حوش العبيد والإهمال الذي تعانيه مدينتهم او حيهم،ولكنك لم تخبريننا شيئا عن ماهيتهم،من هم وكيف حلّوا في الديار اللبنانية التي كان ولايزال شعبها عاجزا عن
استيعاب انسان اسود في بيئته، ارجو منك
الكتابة والتقصي في هذا الأمر الهام جدا !
مقبول مرفوض
0
المجموع: 3 | عرض: 1 - 3

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0