الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | حلاق لبناني أمضى 70 سنة في مهنته

حلاق لبناني أمضى 70 سنة في مهنته

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

نقلاً عن "الشرق الاوسط"

إنه حلاق و«سياسي» لبنان في آن، كان يطلبه بعض كبار السياسيين ورجال الطبقة البيروتية المخملية والفنانين إلى منازلهم. وكان صالونه يستقطب لعقود نخبة من المشاهير اللبنانيين والعرب.

في فيلم «بيروت عالموس»، أي (بيروت على الموسى)، الذي بدأ عرضه الخاصة منذ أشهر، يذكر الحلاق اللبناني الثمانيني إيلي صفير روايات سياسية واجتماعية، أمام عدسة ابنته المخرجة زينة صفير، أثناء تصويرها مشاهد الفيلم داخل منزله في بلدة عينطورة، شمال شرقي بيروت.

سبعون سنة من عمره أمضاها صفير يعمل في أرقى صالونات الحلاقة والتزيين في العاصمة، وعرف عبر مهنته ساسة وأرستقراطيين لبنانيين وعرب رووا له حكايات وأسرارا من كل الأنواع والألوان.

وعلى طريقتها، أرادت زينة، المعجبة بوالدها، توثيق ذكريات عتيقة ونوادر عايشها والدها منذ كان حلاقا في فندق الجبيلي في مصيف عاليه الشهير بين عامي 1942 و1949، مرورا بعمله في فندق «السان جورج» التاريخي في بيروت بين عامي 1949 و1962، ووصولا إلى إدارته صالون الحلاقة الرجالية في فندق «فينيسيا» بين عامي 1962 و1977.

صفير، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» متذكرا وراويا: «صبري حمادة كان رئيس مجلس نواب «مهضوما» جدا. كان يقصدني كل 15 يوما ليقص شعره ويجري تدليكا لوجهه. وذات يوم كان لديه موعد مع رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، في تمام العاشرة صباحا، لكن دوره لم يحن قبل الموعد، فما كان منه إلا أن هاتف فرنجية قائلا: «أنا صبري يا فخامة الرئيس، موعدي الساعة العاشرة، لكنني أكلمك من الشارع، لأن عجلتي سيارتي تعطلتا، وأتمنى منك تغيير موعدي ساعة واحدة. وكان له ما أراد. ساعة كانت كافية ليبدي ارتياحه مجددا حيال قصة الشعر والتدليك».

وتابع صفير كلامه كـ«الحكواتي» وهو يجلس على كنبته وإلى جانبه جهاز الراديو، متنقلا من قصة بطلها حبيب أبو شهلا رئيس مجلس النواب عام 1946، وأحد رجال الاستقلال اللبناني، إلى أخرى بطلها رئيس مجلس الوزراء رياض الصلح الذي كان زبون الصالون في عاليه. كذلك مدير التشريفات في القصر الجمهوري، نقولا بسترس، في عهد أول رئيس للجمهورية بعد الاستقلال، الشيخ بشارة الخوري، متوقفا أيضا عند روايات أبطالها عائلة الموسيقار والفنان فريد الأطرش.

إلى القصر الجمهوري (السابق) في محلة القنطاري ببيروت، توجه صفير حاملا «عدته» في إحدى زياراته خلال عام 1958، ليقص شعر زبونه ابن الرئيس الأسبق كميل شمعون، النائب الحالي دوري شمعون، في وقت سارت إشاعات عن إقدام الرئيس شمعون على إطلاق النار من على سطح القصر إبان ما عرف بـ«ثورة 1958». إشاعات قابلها هدوء داخل القصر، لأن الرئيس كان يأخذ قسطا من النوم لمدة ساعتين، وعند انتهاء صفير من مهمته، طلب منه دوري المغادرة بمفرده ومن دون مواكبة أمنية، تجنبا لإطلاق النار على الموكب الذي يقلّه.

وفي طريق العودة توقف صفير في أحد المطاعم ليتناول ساندويتشا، مضيفا: «لم أكن أخاف. كان لدي قلب مثل الصخر.. سرت بعدها إلى فندق (السان جورج)، بينما كان المسلحون يتبادلون إطلاق النار في الشوارع. الحمد لله، لم أصب بأذى، ربما لأنه لا خصوم لدي».

في عام 1962، لعبت النصيحة التي قدمها زبونه السفير الفنزويلي آنذاك، والصدفة التي قادت مدير عام فندق «فينيسيا» إليه في فندق «السان جورج»، دورا في انتقاله لإدارة صالون الحلاقة في «فينيسيا»، وضمن عقد امتد لعشر سنوات (جرى تجديده غير مرة)، وبمبلغ تضاعف ثلاث مرات؛ أعلى أجر كان يُدفع للحلاقين في تلك الفترة.

وفي «بيروت عالموس» أبعاد سياسية، إذ يروي صفير أن سياسيا خليجيا حذره في بداية عام 1975، من أن الأمن في لبنان سيسوء، وبعدها بأسابيع اندلعت الحرب الأهلية.

نحو 16 أميرا وشيخا من شبه الجزيرة العربية والخليج كانوا من أشهر رواد فندق «فينيسيا» آنذاك، معظمهم كانوا زبائن لدى الحلاق الثمانيني. وفي عودة إلى شريط الذكريات يقول صفير: «على مدى ثلاث سنوات زارني مرة كل سنة محمد حسنين هيكل. صحافي يتمتع بذكاء حاد وبشخصية قوية، وهو أجابني عندما سألته ما رأيك بالقضية الفلسطينية بالقول: سيبدأون بالحديث عنها بين عامي 1990 و1995، وكان محقا في ذلك».

وانتقالا إلى حادثة جمعته وزبونه رئيس مجلس النواب (يومذاك)، كامل الأسعد عام 1965، الذي خرج مرتاحا لحلاقة ذقنه الحساسة منذ الزيارة الأولى، روى صفير أن الأسعد أرسل أحد رجال أمنه في اليوم التالي ليبلغه بأن الرئيس سيأتي بعد وقت قليل كي يحلق ذقنه، فرد عليه صفير: «قل للرئيس أن من حلق لك أمس لا يستطيع فعل ذلك إلا بعد ساعتين لأن لديه مواعيد مسبقة»، فكان الغضب سيد الموقف لدى جهاز أمن الرئيس، وحل الاستغراب لدى مسؤولي الفندق، وفي النهاية أتى الرئيس الأسعد بعد ساعتين.

لا رغبة لدى صفير في الدخول في التفاصيل مع زبائنه، كما أن زوجته لا تتعاطى في أموره المهنية على الإطلاق، وهي لم تزره إلا مرة واحدة في مكان عمله طيلة 70 سنة.

ويتذكر رئيس الوزراء الأسبق صائب سلام قائلا: «كان سياسيا خلوقا ومحنكا»، متابعا أنه زاره مرتين في فندق «فينيسيا» عام 1965، بفضل معاونه علي المملوك، ولم يأخذ ابن بلدة عينطورة الأجر من سلام، نظرا لعلاقته الوطيدة بالمملوك، فكان تعليق سلام «أنا مدعو إما من أخي إيلي، وإما من أخي عل».

وحتى قبل أن يصبح الرئيس رينيه معوض رئيسا للجمهورية، كان زبونا لصفير لمدة طويلة، وبعد انتخابه رئيسا عام 1989، صار صفير يقصده في القصر الرئاسي في بعبدا. ويروي «كان معوض يشدد على أنه سيصطحب معه الرئيس رشيد كرامي في المرة المقبلة، لكنني كنت أجيبه بأنه لن يأتي. والكلام نفسه كنت أسمعه من زبوني الشيخ عارف يحيى عند كل تأكيد بأنه سيصطحب معه الزعيم الكبير كمال جنبلاط إليّ».

يبقى أن نشير إلى أن صالون صفير في فندق «فينيسيا» احترق أمام عينيه إبان حرب الفنادق عام 1975، لكنه لم يستسلم.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0