الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | ساحتا رياض الصلح والشهداء حيث يصنع عرس الثورة

ساحتا رياض الصلح والشهداء حيث يصنع عرس الثورة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

عقار نعمة

أجمل ما في الحراك في ساحتي رياض الصلح والشهداء كان استرجاع اللبنانيين لهويتهم الوطنية الواحدة، وانعتاقهم عن انقساماتهم الطائفية والمذهبية في سبيل شعارات تمسهم جميعا.

الساحتان كانتا على مراحل مختلفة محط تجمع لتظاهرات ولمسيرات هامة كانت أهمها في 8 و14 آذار من العام 2005 حين كان التاريخ اللبناني يخضع لصياغة جديدة صمدت طويلا حتى رضخت للمتغيرات في تاريخ السابع عشر من تشرين الأول قبل أيام.

 والحال ان هذا التاريخ المفصلي قد مهدت له إرهاصات عديدة أشّرت لما هو مقبل وقد كان أبرزها حراك المجتمع المدني قبل نيف وسنوات أربع احتجاجا على أزمة النفايات. في ذلك الحين، هب لبنانيون كثر الى الشارع رفضا للفضيحة وللنفايات التي ملأت شوارع لبنان، لكن يبدو أن الظروف في تلك الايام لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية للانعتاق من الهيمنة السياسية والرعاية الحزبية والسلطوية، فتلاشت جهود المتظاهرين الذين تجمعوا يومها في قيظ شهر آب بعشرات الآلاف رفضا لإذلال كرامتهم وتمردا على طبقة سياسية أهملتهم.

هو التراكم التاريخي لأي حراك يؤسس لما بعده، وهو ما يتحدث عنه كثر تواجدوا في حراك العام 2015. واليوم، وفي عصر تفجر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي بات في إمكانها فضح الفاسدين والممارسات الطائفية لأحزاب السلطة، بزغ فجر التغيير، مهما كان متواضعا، ذلك انه من المبكر الحديث عن انقلاب جذري يؤدي إليه الحراك الحالي الذي أسس لوعي هائل في وجدان اللبنانيين.

والواقع أن هاتين الساحتين في وسط بيروت قد تميزتا أخيرا بطوفان بشري قل نظيره في سبيل مطالب اجتماعية، وميزته انعتاقه (عموما وعلى الاخص في البدايات) من قدر السياسيين، حيث هتفت الحناجر حتى بُحّت رفضا للسياسيين واحتقارا للفساد، على تنوع مطلقيها وتلاوينهم ومشاربهم الطائفية والإجتماعية والطبقية.

من قلب بيروت هذا إنطلقت الشرارة، لكنها زادت التهابا في مشهد غير مسبوق في ساحات لبنانية أخرى حيث كسر حاجز خوف عمره من عمر النظام مثلما كسرت المحرمات تحت وقع الجوع والحرمان والمعاناة. هو القلب الذي شكل عرساً ما يحلو للهاتفين فيه تسميته بالثورة التي صدحت ولا تزال من ساحة الشهداء حيث مسجد محمد الأمين بإتجاه كنيسة مار جريس المجاورة فساحة رياض الصلح.

توحد الجميع في عرس «ثورتهم» تحت راية العلم اللبناني، حزبيين، على قلتهم، ومستقلين، على أكثريتهم، هتفوا كفرا بالسياسيين تحت شعار «كلن يعني كلن»، وهو شعار استهل قبل أربع سنوات، ولا يزال يدغدغ وجدان غالبية اللبنانيين، مهما قيل عن مؤامرات وتمويل، ومهما حاول كثيرون اختصار المعتصمين بنماذج غريبة وربما نافرة يرفضها الغالب الأعم منهم وهو ما كان واضحا في جولة «اللواء» على الساحتين وما بينهما وحولهما.

تلك الجولات الصباحية والمسائية في الساحتين لا تفعل سوى تأكيد ان لا قيادة للحراك، وهو ما قد يدفع بكارهي التغيير أو المتضررين منه الى وصمه بالسلبية، لكنه نقطة قوة تجعل من غير الممكن إطفاء جذوة التحرك، كما تؤكد نعمت، الناشطة المصممة والنشيطة والتي كانت قد خاضت الحراك قبلها بأعوام أربعة. 

ومع تصاعد الصرخة، أدت التحركات الى ورقة إصلاحات جدية من الحكومة، ومن ثم الى استقالة رئيسها سعد الحريري، وهما عاملان يصبان لصالح «الثوار». هم أبدوا افتخارهم بذلك، لكنه لم يكن كافياً بنظرهم، وهو الامر الذي لم يتمكن خطاب رئيس الجمهورية ميشال عون في ذكرى توليه المسؤولية، من إزالته. 

عن إنجازات الحراك

تعتبر نعمت ان ما حصل باستقالة الحكومة يعد خطوة جيدة، الا ان المعركة مستمرة. هي كغيرها كثر تعتبرها البداية. «نحن مستقلون» تقول، «ولا نرضى استغلال حراكنا من أي كان». 

يوافقها وليد الذي شارك في التحرك منذ بدايته، وهو يُصعّد من خطابه تجاه المسؤولين معبرا عن عدم ثقته على الإطلاق بهم، ومحذرا من صدام يريده الشارع الآخر. «نحن سلميون، لكننا سنمضي الى النهاية ويجب أن لا نتراجع على الإطلاق».

يمضي المعتصمون بخطاهم الى الأمام، نحو مطالب وقضايا يعتبرونها جوهرية في سبيل إحداث ثغرة في النظام الطائفي اللبناني. حكومة مستقلة ذات فترة زمنية محدودة تحضر لقانون انتخاب غير طائفي في سبيل انتخابات نيابية جديدة، حينها، يمكن للمجلس الجديد إعادة صياغة التركيبة السياسية في شكل جذري يمهد لمحاسبة الفاسدين ومحاكمتهم واستعادة الاموال المنهوبة من الشعب.

هي مطالب بسيطة، لكن كبرى، لا يجمع عليها المتظاهرون، وإن كانت الغالبية الساحقة تنادي بها، إذ يضيف إليها البعض إسقاط رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، ويطالب آخرون بحكومة من أصحاب الكفاءة والنزاهة، ويذهب البعض الآخر الى حكومة من العسكريين السابقين..

لا تولي نعمت أهمية كبيرة لما يقال عن انقاسمات لدى أصحاب الحراك، فالهدف واحد ومتدرج، والأهم، رفض استغلال السياسيين للتحرك. لكن هذا الأمر لا يخفي اختلافات حاصلة بين المعتصمين، وهذا ليس غريبا على حركة غير منظمة ذات مشارب كثيرة، وهي اختلافات، وليس خلافات، متعلقة بالأسلوب وليس بالمضمون. إذ يقول أحمد ردا على سؤال حول عدم توحيد المطالب ورفعها الى رئيس الجمهورية ميشال عون الذي طلب ذلك من المعتصمين، «إننا قد توجهنا إليه مباشرة وعلى الملأ ووجهنا مطالبنا بكل صراحة»، مضيفا «ليس هناك ثورة تتفاوض، بل الثورات توجه مطالبها حول قضاياها وعلى السلطات الحاكمة الاستجابة». ويعلق وليد على هذا الموضوع مشددا على ان السلطة لن تقدم التنازلات لوحدها بل بالضغط». هنا بالذات يكمن الاختلاف حول آلية هذا الضغط بين من يريد الاستمرار في قطع الطرقات وغالبية لا تحبذه مع استمرارها بالحراك واستعدادها للتحرك متى استدعى الأمر أو إذا اتخذ الحل الذي اقترحته السلطة وقتا. ربما يكون اندفاع الرافضين للخروج من الطرقات أو قلة النضج لديهم، وراء حماستهم الزائدة، لكن هذا الخروج يبدو بالغ الأهمية، في سبيل «ثورتهم» قبل غيرها.

في كل الاحوال، من المؤكد ان الحراك الفكري والسياسي بين المعتصمين هو دليل حيوية ونضج. وما يلفت الانتباه في جولة بين هؤلاء هو الوعي السياسي الكبير لديهم والذي يجب أن يتواءم مع واقعية حيال كيفية التحرك وتقدير مدى قرب تحقيق الأهداف المرجوة. والحال ان عنصر الشباب يبدو السمة اللافتة في الحراك، وإذا كان معظم المعتصمين ممن ينتمون الى الفئات الوسطى وما دون، فإنهم يتوزعون بين عناصر شبابية وطلاب من المثقفين وجمعيات أهلية ومستقلين، إضافة الى أحزاب سياسية كالشيوعي وحركة الشعب وحزب سبعة الذي ضم فئات كثيرة ممن قاموا بحراك العام 2015، وجمعيات من المجتمع المدني، وطبعا، فئات مهمشة ضربها الفقر والعوز، ورأت في طبقة المثقفين، إذا صح التعبير، منصة لرفع قضاياها.

 وقد شكل الحراك فرصة لمحرومين كثر لإبراز معاناتهم للإعلام. محمد قدم من الشمال صارخا للإعلاميين عن معاناته مع الجوع مع أولاده الثلاثة وهو بلا عمل. إستقر في المكان حيث نزل لإطلاق صرخة في وجه الحرمان والمطالبة بالحد الأدنى من الحقوق. «أنظر الى الخارج حيث تتم حماية من هم مثلي عبر راتب وحماية صحية وقارن هذا مع واقعنا».. ولكن هل ستحقق مطالبك هنا نسأله؟ لا يجيب محمد، يذرف الدمع علّ الكاميرات تلتقطها وتنقل معاناته.. ثم يمضي بعيدا. 

 

بالقرب من المكان، تتكلم ثريا، التي تعاني من شلل نصفي، باسم ذوي الإرادة الصلبة. هي تطالب بطبابة مجانية لمن هم في حالتها. تنادي بإيصال من يرفع صوتهم ويكون منهم ومشتركا معهم بآلامهم آمالهم، الى المجلس النيابي أو الى الحكومة. إذ من غير الممكن للآخر فهم ما يعانونه، وهي وجهة نظر محقة يجب على المعنيين الالتفات لها.
اللواء
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0