عند كل مطب أو استحقاق سياسي يواجهه لبنان، يؤخذ الاقتصاد كـ«عدة الشغل» من اجل ممارسة الضغوط لفرض واقع ما. فإما ان يقال مثلا أن لبنان بلد مفلس، أو أن اقتصاده على شفير الهاوية، أو أن عملته مهددة وغير مستقرة. وهي الحال اليوم. ففي موازاة العراقيل التي توضع امام تشكيل الحكومة، نشهد حملة منظمة تستهدف المس بثقة الناس بالليرة اللبنانية، وتهدف إلى ضربها من خلال الترويج لخفض في سعر صرفها مقابل الدولار، وصولا إلى التشكيك بالسياسة النقدية وبرمزها حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، حيث تطلق شائعات حول استقالته أو استقالته الوشيكة أو حتى وضعه الصحي.

«الليرة وانهيارها» باتت هاجسا يقض مضاجع اللبنانيين اليوم معززاً بتصريحات جهات غير مسؤولة تطلق مواقف من هنا ومن هناك، وهي إما لا تعلم بتداعيات ما تقوله على لبنان واللبنانيين وإما هي على يقين مما ستحمله تصريحاتهم من ردود فعل وانعكاسات سلبية على الوضع الاقتصادي العام. لكن لب المشكلة ليس الوضع النقدي ووضع الليرة بل الوضع المالي الحرج والمُرجَّح للتفاقم إن لم يصار الى القيام بإصلاحات، واجراء تصحيح مالي من خلال معالجة ضبط العجز المتفاقم وترشيد الإنفاق ووضع الدين العام الى الناتج المحلي على منحى تراجعي.

أول من امس، اطلق رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري موقفا من المجلس النيابي حسم فيه وجود حملة على الليرة والاقتصاد لـ«احباط اللبنانيين»، ورد على الشائعات التي ترمى يمينا وشمالا، قائلا «لسنا في حال يرثى لها.. ولدينا مقومات للنهوض بالاقتصاد».

ما تقوم به الحملة المبرمجة، هو الخلط بين المجالات الثلاثة اي الوضع الاقتصادي والوضع المالي والوضع النقدي، والقاء الضوء على التحديات الاقتصادية والمالية التي يواجهها لبنان بهدف تحويلها الى صعوبات نقدية.

لكن في الحقيقة، هناك «فرق شاسع» بين المجالات الثلاث لابد ان يعرفها اللبنانيون كي لا يقعوا في فخ الشائعات، يقول الخبير الاقتصادي رئيس قسم الأبحاث في بنك «بلوم إنفست» مروان ميخايل لـ«المستقبل»:

1- الوضع الاقتصادي يرتبط بالنشاط الاقتصادي وبمعدلات النمو والبطالة والفقر وغيرها من المؤشرات. «من دون ادنى شك، هو صعب اليوم»، يقول مخايل. فالنمو السنوي «لن يتعدى الـ1 في المئة، كون المحركين الاساسيين للنمو، اي السياحة (التي تمثل 14.5 في المئة من الناتج المحلي) والعقار والبناء (19.2 في المئة من الناتج المحلي)، شهدا تراجعا في العام 2018. وقد تقاطع تراجع النمو مع ضغوط تضخمية أثرت على القدرة الشرائية للمستهلكين. ففي العام 2017، بلغ معدل التضخم 4.4 في المئة، ليصل في آب 2018 الى 6.7 في المئة (وقد تخطى الـ7.5 في المئة في تموز) في ظل ارتفاع تكاليف الواردات النفطية وضعف الدولار الاميركي».

وكان صندوق النقد الدولي توقع 1.5 في المئة نموا في 2018، ورد هذه الأرقام الضعيفة للنمو إلى استمرار تداعيات التجاذبات السياسيّة والأمنيّة الإقليميّة على مستويات الثقة في البلاد وعلى القطاع العقاري، وحركة السياحة، والنشاط الاستثماري والتجاري لديها.

2- الوضع المالي هو كل ما يتعلق بالمالية العامة، أي العجز في الموازنة والدين العام. وهو وضع «لا شك أنه دقيق جدا»، بسبب الاستمرار في ارتفاع العجز في الموازنة وبالتالي ارتفاع الدين العام. فنسبة العجز الى الناتج المحلي يتوقع ان تصل الى نحو 9 في المئة في العام 2018 (صندوق النقد الدولي)، علما ان العجز المسجل قد تضاعف من 844.7 مليون دولار في نيسان 2017 الى 1.9 مليار دولار في نيسان 2018 (الارقام الرسمية لوزارة المالية). وبالتوازي، فان معدل الدين العام الى الناتج المحلي هو الى ارتفاع ايضا ويتوقع ان يصل الى نسبة 151 في المئة في نهاية العام 2018. ووصل حجم الدين العام الى 82.95 مليار دولار في النصف الاول من العام الحالي.

ويرى مخايل «ان وضعية المالية العامة تستدعي خفض العجز في اقرب وقت ممكن، والعمل على وضع نسبة الدين الى الناتج المحلي على منحى تراجعي». وهو ما كان دعا اليه معهد التمويل الدولي منذ نحو اسبوعين، معتبراً ان خفض مستوى الدين العام يتطلب اتخاذ تدابير حازمة وإصلاحات هيكلية لخفض العجز في الموازنة العامة بشكل ملحوظ ومستدام، وان حجم الإصلاحات المطلوبة في المالية العامة يتطلب اتخاذ إجراءات لضبط الإنفاق وتحسين الإيرادات، بما في ذلك ضبط فاتورة رواتب القطاع العام، إصلاح نظام التقاعد في القطاع العام، إعادة هيكلة قطاع الكهرباء للحد من تحويلات الخزينة لمؤسسة كهرباء لبنان، وتحسين الامتثال الضريبي من خلال مكافحة التهرب.

3- الوضع النقدي - وهو الذي يتعرض للحملة الراهنة - فهو كل ما يرتبط بثبات سعر صرف الليرة اللبنانية، وهو «من دون أدنى شك، مستقر»، تؤكده سلسلة مؤشرات، لاسيما في المدى المنظور:

أولا: التقارير الصادرة عن مؤسسات التصنيف الدولية والتي لا تزال تؤكد على ثبات تصنيف لبنان الإئتماني. ففي تقريرها الاخير الصادر في 30 آب الماضي، حافظت وكالة التصنيف الدولية «ستاندرد أند بورز» على التصنيف الطويل والقصير الأمد للديون السياديّة بالعملات الأجنبيّة والمحليّة للبنان عند «B-» و«B» مع نظرة مستقبليّة «مستقرّة». كما فعلت مؤسسة التصنيف العالمية الأخرى «موديز» في تقريرها الصادر في حزيران 2018 في الحفاظ على نظرة مستقبلية «مستقرة».

ثانيا: التأكيد الدولي المستمر على الثقة بقدرة الاقتصاد اللبناني على تسجيل نمو في الأشهر والسنوات المقبلة، خصوصا بعد اطلاق برنامج الإصلاح والإستثمار الذي أعلنت عنه الحكومة اللبنانية في مؤتمر «سيدر»، وهو ما تعزز مع بدء إقرار قوانين التزمتها الحكومة في هذا الاطار (المعاملات الالكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، الوساطة القضائية، حماية كاشفي الفساد، مكافحة الفساد في عقود النفط والغاز، والادارة المتكاملة للنفايات الصلبة).

ثالثا: تنويه جميع تقارير المنظمات والمؤسسات الدولية المختصة، وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدوليان، بقدرة المصرف المركزي على المحافظة على الاستقرار النقدي وتثبيت سعر صرف الليرة بفعل ما يملكه من احتياطي بالعملات الأجنبية ورقابته الفاعلة على أداء المصارف في لبنان، وبمناعة القطاع المصرفي في وجه الأزمات الداخلية والخارجية.

وهو ما جاء في اشادة صندوق النقد الدولي بمصرف لبنان لـ«دوره الحيوي في جذب تدفقات الودائع الداخلة وفعاليته في إدارة الوضع الصعب الذي يواجهه»، وشجعه «على رفع أسعار الفائدة إذا دعت الضرورة مع توخي اليقظة إزاء ديناميكية الديون». بالاضفة الى تأكيد «موديز» ان المصارف اللبنانية قادرة على الإستمرار في جذب الودائع، لتُساهم بذلك في سدّ العجز في كلّ من الموازنة والميزان الجاري وفي المحافظة على الإستقرار الإقتصادي والمالي في البلاد. مع الاشارة هنا الى أنّ المصارف تواصل تعزيز متانة مراكزها المالية، اذ وصلت رساميلها الاجمالية الى نحو 21 مليار دولار منتصف هذا العام)، فيما وصل الحجم الاجمالي للأصول المدارة الى نحو 234 مليار دولار، أي ما يماثل نحو 400 في المئة الناتج المحلي.

رابعا: الاحتياطي المرتفع بالعملات الأجنبية الذي يملكه مصرف لبنان والذي وصل إلى 43.4 مليار دولار في منتصف أيلول الحالي ليصل حجم الاحتياطي مع اضافة احتياطات الذهب الى 54.4 مليار دولار (يضاف إليها المبالغ الموجودة للمصارف اللبنانية لدى المصارف المراسلة).

«هو حجم كبير مسخر للدفاع عن الليرة في اقتصاد مدولر منذ عقود»، يشرح مخايل. ما يعني أن أصول المصارف والودائع والتسليفات مدولرة بنسب عالية. فنسبة الدولرة في ودائع القطاع الخاص بلغت 68.5 في المئة، اي ان النسبة المتبقية (نحو 32 في المئة) هي ودائع بالليرة يملك مصرف لبنان الاحتياطات الكافية والفائضة للدفاع عنها ولتثبيت سعر صرفها.

"خزان" الاحتياطي

وفيما تصف مصادر مصرف لبنان لـ«المستقبل» الاحتياطي الراهن لدى المصرف المركزي بانه «غير مسبوق في تاريخ لبنان» وانه أشبه بـ«خزان» ضامن للاستقرار النقدي من العملات الصعبة يمكنه عبره حماية التوازن في السوق، يقول معهد التمويل الدولي «ان الثقة بالليرة اللبنانية تبقى قوية ومرتفعة مدعومة بالاحتياطات الاجنبية العالية لمصرف لبنان».

خامسا: التحويلات المالية المستمرة إلى لبنان والتي تسمح بتمويل العجزين المالي والتجاري. وهو ما تؤكده ارقام ميزانية المصارف التي تظهر استحواذ ودائع غير المقيمين على النسبة الاعلى من نمو الودائع الاجمالية. ويتوقع معهد التمويل الدولي ان يصل حجم تدفقات غير المقيمين الى لبنان الى 8.5 مليارات دولار في العام 2018 بزيادة نسبتها 2.4 في المئة عن 8.3 مليارات دولار في 2017. وهذا يعني ان «التحويلات والودائع المصرفية مستمرة في النمو، وهو امر ايجابي في ظل الأزمات التي يواجهها العديد من الدول المجاورة، والتي أضيفت إليها أخيرا الأزمة في تركيا».

سادسا: انتظام المالية العامة للدولة بعد إقرار موازنتي 2017 و2018 بعد 12 عاما من دون موازنات، ما يساعد على ضبط الإنفاق العام وترشيده والسيطرة على نمو العجز ومعه على نمو الدين العام. وللتذكير هنا، فقد التزم لبنان في «سيدر» خفض نسبة العجز في الموازنة إلى الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 1 في المئة سنويا على امتداد السنوات الخمس المقبلة.

بالاضافة الى كل ما تقدم، يلفت مخايل الى ان نسبة مخاطر التأمين على سندات اليوروبوندز اللبنانية في الخارج (CDS) تحسنت بعدما كانت وصلت الى نحو الالف نقطة (لسندات الـ3 اشهر) في حين تستقر على سندات الخمس سنوات اليوم على 700 نقطة (بعدما وصلت الى 850)، وهذا يعني ان نسبة مخاطر التأمين ترتفع على سندات قصيرة الاجل فيما هي مستقرة لتلك المتوسطة وطويلة الاجل. بمعنى اخر، هناك قلق مرحلي من المستثمرين على الفترة الراهنة بسبب التأخر في تشكيل الحكومة، واطمئنان الى المرحلة المقبلة.

هو يجدد التأكيد ان لا خوف من انهيار مالي وان الليرة مستقرة وستبقى، وان تركيبة لبنان مختلفة عما تشهده الارجنتين تركيا وقبلها مصر في ما يتعلق بعملاتها بسب اقتصاده المدولر. فيما يبدي في المقابل تخوفا من الركود الاقتصادي ومن مزيد من تضخم للاسعار الذي يشكل خطرا على الاقتصاد الحقيقي. ويرى ان الخروج من المأزق الحالي يكون باتخاذ التدابير التالية:

- الاسراع في تشكيل الحكومة من اجل استعادة ثقة المستثمرين، بحيث تكون مؤلفة من اشخاص كفوءين يلهمون الثقة بلبنان وباقتصاده.

- تطبيق البرنامج الاصلاحي لاحداث تقدم ملموس في الوضع الاقتصادي من اجل تحقيق معدلات نمو مستدامة.

-العمل على معالجة تفاقم العجز في المالية العامة وايجاد سبل لخفضه بدءا من موازنة العام 2019، وخفض الهدر والانفاق غير الضروري.

-تحسين بيئة الاعمال واعتماد الحوكمة.

-تطبيق واسع لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كل ما تقدم يؤكد ان الوضع النقدي جيد وممسوك في المدى المنظور، وان الوضع الاقتصادي يعاني صعوبات، والوضع المالي دقيق، وان الخلط بينهما وبين الوضع النقدي يعزز الحملة التي تشن على الليرة.

اما الحل للوضع الإقتصادي الصعب والوضع المالي الدقيق فيكمن في تنفيذ برنامج الإستثمار والإصلاحات الذي أعلن في مؤتمر «سيدر». فـالاستثمارات ستحرك عجلة الإقتصاد وتزيد النمو وتخفف البطالة والفقر. هناك 11.8 مليار دولار جاهزة لذلك فورا. وهو مبلغ هائل بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان. أما الإصلاحات المرتقبة، فستسيطر على العجز وعلى الدين العام، كما ستساهم في تحريك العجلة الإقتصادية أيضا. لكن كل ذلك بحاجة الى حكومة ومجلس وزراء ليبدأ بالعمل.

(خاص "المستقبل")