الأصل في التأزيم السياسي الراهن هو الاشتباك السياسي والإعلامي (حتى الآن!) الضاري الأميركي – الإيراني.. والفرع فيه هو رئيس سوريا السابق بشار الأسد. وفي هذه المساحة تلتقي الجماعة الإيرانية – الأسدية عندنا وتختلف في سوريا نفسها!

أو ربّما الأصحّ، هو الافتراض بأن الجماعة الأسدية في نواحينا تدخل على الخط! وتستأنف اللعب على المكشوف لمحاولة انتهاز «فرصة» تراها سانحة وتتمثّل بإشهار إيران أوراقها الإقليمية في سياق مواجهتها العامة للقرار الأميركي بإحراق تلك الأوراق! وقصقصة جوانح الطاووس المنفلشة خارج قفصه!

أساس التأزيم والكربجة في عملية تشكيل الحكومة، والعودة إلى اعتبار لبنان «ساحة» وليس دولة ولا «قوية»! وصندوق بريد يمكن منه توجيه رسائل إلى القريب والبعيد، هو أن إيران مُستنفرة تماماً. وتتهيّأ للأسوأ في الداخل بعد الخارج.. وطبيعي أن تضبّ «أوراقها» إلى صدرها وتبدأ بالتلويح بها قبل الشروع في استخدامها! وهذا يعني لبنانياً وضع البلد وشؤونه وحكومته المرتجاة وإصلاحاته ومشاريعه المقررة في «سيدر»، في خانة المراوحة السلبية، قبل تقرير الخطوة التالية. وهذه تُقرّر في ضوء طبيعة تطور أمور تلك المواجهة مع واشنطن أساساً وإسرائيل فرعاً! وهذه مثلما هو واضح وبيّن وشائع، ذاهبة إلى المزيد من الاشتعال وليس العكس أبداً.

أي أن الجماعة إيّاها تعود إلى سيرتها المألوفة وتُدخل لبنان وأهله وغصباً عن معظم أهله، في أزمات أوليائها ومعاركهم وحروبهم وتجاراتهم ومقايضاتهم... وآخر همومها هو تداعيات ذلك كله على اللبنانيين أمناً وأماناً واقتصاداً وليرة وسياحة واصطيافاً وتنمية واستقراراً سياسياً واجتماعياً. وما إنسلَّ من ذلك وتفرّع عنه وتحديداً لجهة تنفيس الاحتقانات المذهبية والطائفية وكسر طوق التعطيل الذي عمّقه الفراغ الرئاسي وخصوصاً إزاء عجلة الدولة ومؤسساتها الدستورية.

دخلت الحسابات الأسدية الضيّقة من الباب الإيراني الواسع! وراح روّادها يتسابقون مع الزمن علّهم يلتقطونه في راهنيّته ويوقفون انحداره! مثلما راحوا يتسابقون في الطروحات و«الاقتراحات» و«المبادرات» ورمي «الآراء» التي تدلّ في الإجمال، أو يؤمل أن تدلّ، على مدى ترسّخ «الانتماء» و«الربط» عندهم! تماماً مثلما كان الحال أيام عزّ سطوة الوصاية السورية والنظام الأمني المشترك الذي استبدلت «الطائف» به! وكأن شيئاً لم يتغيّر! أو كأن محاولة حجب غابة الأفول الأسدي في أرضه بشجرة الصراخ والمزايدة في لبنان، يمكن لها أن تنجح! أو يمكن لها أن تكون خارج ثلاثية الغول والعنقاء والخلّ الوفي!

ما يُسمى بالعقد الداخلية الكامشة بقطبة تأليف الحكومة والمانعة لها من إكمال دورتها وإتمامها، هي إسقاطات محلية بحمولات زائدة وفضفاضة، على الميزان الإقليمي – الدولي الراهن.. وهذا لا يعني انعدام محفّزاتها الذاتية لكنه يعني بأبسط لغة ممكنة، أنها ليست الأصل والأساس في الدفع بالتأزيم إلى ذرى عالية ومقفلة! وإلى وضع عراقيل مفاجئة أمام مسار التسوية التي خدمت الجميع وليس أطرافها فقط! وأراحت لبنان واللبنانيين على كل الصعد.. وبما يُهدِّد بالعودة إلى المربّع الأول!

والمفارقة التي تستحق وصفاً صاخباً لا ضرورة له (الآن)، هي أنّ اللبنانيين يعودون إلى معايشة تلك الفرضية الفظيعة: عندما «يرتاح» نظام آل الأسد، يتعب لبنان! والعكس صحيح! سوى أننا هذه المرّة، نتعرّض لامتحان ظالم، كمية الوهم فيه أكبر من الحقيقة بأشواط وأوزان. لا الأسد «مرتاح» لكن يُراد لنا أن «نصدّق» ذلك! ولا المنّ والسلوى متوفران عنده أصلاً، لكن يُراد لنا أن نغرق بوعود توزيع الفائض منهما علينا! ولا «النظام» في ذاته لا يزال «عاملاً» و«موجوداً» و«مقرّراً» في سوريا ذاتها لكن يُراد لنا أن نصدّق أنه عامل وموجود ومقرّر في لبنان!

.. والأنكى من ذلك، هو (مجدداً وتكراراً) أن الجماعة الإيرانية – الأسدية تتمرجل على اللبنانيين وتُظهر تماسكها أمامهم وحيالهم، مع أنها في سوريا صارت جماعتين أو تكاد! والأيام الآتية ستؤكد ذلك وأكثر منه.. فالذي دمّر «بلاده» ونكب «شعبه» لن يغصّ بـ«نفوذ» إيران وجماعاتها! ولن يتردّد في بيعهما لتاجر مثلّث الأضلاع والقوة والقرار يشتمل على أميركا وروسيا وإسرائيل