ذُبحت سوريا ومُزّقت على أيدي الجميع، من سوريين وعرب ودواعش وإيرانيين وروس وأميركيين.. لا أحد بريء من الجريمة غير المسبوقة في الشرق. قد يُقال حصل أكثر وأفظع ونسي العالم. تذكروا يوغسلافيا ومذابحها وكيف مُزّقت وقُسّمت الى دول عرقية وطائفية ومضى كلّ في طريق. العالم كله يتعامل مع الدول التي نشأت. يكفي أن تتابع المونديال لترى كيف يلعب فريق كرواتيا وآخر لصربيا والجميع يصفّق للعب هذا الفريق أو ذاك، وكأنه لم تحصل مذابح بين القوميّين منهما.

من درعا كانت البداية، وفي درعا قد تكون النهاية. بدأ ما حصل في مظاهرة للأطفال، وكيف عوقبوا، وكيف تعامل حاكم المدينة قريب الرئيس الأسد، حادثة سينساها أهلها كما حصل مرات قبلها، لكن تبيّن أن «كرة النار» بدأت تتدحرج.. كان يمكن أن تحرق «الكرة» النظام ليزهر «الربيع العربي» من حيث يجب. ما حصل أن كل القوى بما فيها التي لا تمثّل شيئاً بالنسبة إلى سوريا وإلى الشعب السوري، طَمَحَت لأن تلعب دوراً يُكسبها حضوراً لا تستحقه. ببساطة، ارتكبت الجريمة الأولى وهي «عسكرة» الثورة الشعبية ومن ثم مذهبتها باسم الإسلام والحل الإسلامي، ومن ثم قفزت إيران بكل ما تملكه أيمانها لإنقاذ النظام الأسدي من شعارات وحجج تعود لأربعة عشر قرناً إلى الوراء، وردّ دين قديم للأسد الأب عندما وقف وحده مع إيران ضد الآخرين في «الحرب الظالمة»، علماً أنه بدهاء تميز به تحول بعلاقاته مع إيران والدول العربية إلى «منشار» يكسب بالذهاب والاياب. ودخلت «القاعدة» و«داعش» فأجازا ما لا يُجاز للغرب وغيره لكثرة وغرابة الجرائم المرتكبة، وعرف النظام كيف يستثمر هذا الخوف الدولي لمصلحته لتسريع كل شيء بما فيه استخدام السلاح الكيماوي بعد البراميل المتفجرة..

لكن لا شك أن مسار الحرب تغيّر بعد أن أدركت إيران أن القتال بدون السلاح الجوي خاسر، فكان أن دعت الرئيس فلاديمير بوتين إلى سدّ الثغرة. لبّى «القيصر» بوتين الدعوة بعد أن حسبها بدقة وضمن استراتيجية تتجاوز سوريا وإيران، ونجح في كل حساباته. استخدم بوتين الطيران في سوريا وكأنها الشيشان، أي جعل سوريا مناطق من الأرض المحروقة. باختصار، تمّت «شيشنة» سوريا.

دخلت الولايات المتحدة الأميركية لفرملة روسيا. لم يتمكن أحد من تحديد ما تريده واشنطن «الأوبامية» ولا «الترامبية». إسرائيل أصبحت الرابح الأكبر. تقضم طلباتها. تطلب فتُطاع. منذ اليوم الأول، إسرائيل رفضت علناً إسقاط الأسد لأن الابن أكمل ما بدأه الأب، أي فرض السكون على الجولان حتى ولو كان الثمن حرباً دائمة في لبنان. وهي ربحت في دمار سوريا وخروجها من حسابات المواجهة بعد العراق والأردن ومصر، لسنوات وربما لعقود طويلة. قبل أن تبدأ معركة درعا زار رئيس الأركان الروسي إسرائيل واتفق معها مع ترحيب واشنطن الواسع بذلك على: مجال جوي سوري مفتوح يسمح لها بضرب الإيرانيين ومن ينتمي إليهم، خصوصاً «حزب الله»، حتى انسحابهم بعيداً عن الحدود، إضافة إلى خروج إيران من سوريا.

القرار الروسي الآن هو الحسم العسكري وبسرعة، لأن «القيصر» لديه هموم أكبر بكثير من هذه الحرب الصغيرة مهما كانت كلفتها البشرية والمالية ضخمة. في أيلول سيلتقي الرئيس ترامب والملفات بينهما تتعدّى سوريا. التنازلات في سوريا مُتبادلة لمصلحة بوتين على الأرض وسياسياً لمصلحة ترامب. بذلك يحصل ترامب على ليّ يد إيران. أما بوتين فيتخفّف من الحمل الإيراني الثقيل فلا تُكسر يد إيران ولا تكون طليقة. بوتين يأخذ في الاعتبار أن المصالح المشتركة بينه وبين إيران تتجاوز سوريا وتصل إلى الأمن المُشترك، خصوصاً في كل ما يتعلق بأمن الجمهوريات الإسلامية السّوفياتية السابقة.

سوريا ستتحوّل إلى «قالب الحلوى» في مرحلة إعادة الإعمار إذا توافرت الأموال، والقسمة السعيدة. السؤال كيف سيعود الملايين العشرة من النازحين السوريين، وعلى أي قاعدة، ومن يضمن سلامتهم؟

في هذه الأثناء، سيبقى الأسد حتى إجراء انتخابات رئاسية جديدة خاضعة لمتغيّرات كثيرة وشروط لا يمكن تحديدها الآن..