الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | بين استبداد الحكم واستغلال الدين

بين استبداد الحكم واستغلال الدين

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بول شاوول

«الحريات الأسيرة، بين استبداد الحكم واستغلال الدين، الأصول وطريق الخلاص»، للدكتور محمد الحموي (صادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت)، كتابٌ مرجع، يخوض مسألة الاستبداد، والسلطة، ومعها الأنظمة، في مسارها الألفي، بين الظواهر السلفية، والدينية، (والثورية)، في العالم العربي الراهن، وأنظمة الفكر الملكية والسلطانية، في إحالة إلى ما يوازيها في أوروبا. كتاب ينتمي إلى «الفكر المقارن»، وإلى المتوازيات في أشكال الحكم ومشابهاتها، عبر مداخل من فتاوى رجال الدين وحرية العقل، والحال في أوروبا، وثورة الألماني كولهاس وأميركا، وأسباب نشوء التكفيريين وأساس المشكلة وجذورها عند الأمة..

ويقول المؤلف في إطار توضيح مضمون الكتاب وموضوعه وتقسيمه «في هذه الدراسة التي طال تفكيري في موضوعها والتحضير لها سنين عدة، سوف نعرض بشكل تفصيلي لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن الكريم، مضمونه، ومتى طبّق، ومتى غيّب، ونماذج من توظيف الإسلام لخدمة السلاطين واغتيال الحرية السياسية للتخلص من الشورى، ودور فقهاء السلاطين، وما هو التراث السلطوي الذي ورثنا، وتزاوجه مع سلطة الدساتير، وتوظيف ذلك لخدمة السلطنة، والتغوّل على الحقوق والحريات، وماذا كان مدلول شعار «الحل هو الإسلام» قبل التخلي عنه، عند بعض أصحاب الخطاب الديني، وكيف تمَّ تبنّي فكرة الحاكمة المنطلقة من تنظيمات التطرف الجهادي، وما يترتب على ذلك من مطالبتها بإقامة الدولة الدينية أو دولة ولاية الفقيه، ولماذا أن يكون مطلب الجميع دولة مدنية انطلاقاً من أن صحيح الإسلام ليس فيه دولة دينية.. وكيف أدى الاستبداد السلطوي إلى انفجارالربيع العربي وكسر حاجز الخوف»..

هذه الدراسة الساعية إلى تصحيح كثير من المقولات الرائجة، على أخطائها، يقوم بها المؤلف برصيد ثقافي وفقهي وديني وسياسي وفكري، ليقدم لنا بانوراما نقدية، علمية، مدنية، عقلانية، لما تعانيه الأمة العربية والإسلامية، راهناً.

مفكر مدني، يُعالج بحس مفصّل، قضايا الدين وعلاقته بالطغاة وأهل الاستبداد، معرجاً إلى ما يوازيها أو يختلف عنها في أوروبا أو في أميركا أو في الغرب عموماً.

ب. ش.

*******************************

هنا مقاطع من خلاصة الكتاب وفصل الخطاب. (الحلقة الأولى).

خطاب الخاتمة

عندما نقارن العالم العربي بأميركا في الوقت الحاضر، نجد أن عدد أبناء أمتنا (400) مليون عربي، في حين أن في أميركا (320) مليون أميركي. ومن حيث المساحة، فالوطن العربي يبلغ (13،5) مليون كم2، في حين أن مساحة أميركا (9،5) مليون كم2. ولقد هاجرت غالبية العلماء والعقول العربية إلى أميركا، وأبدعوا عندما وجدوا الحرية التي تجعل العقل ينطلق من عقاله ويتخلص من القيود، وتركوا أوطانهم التي تنكر سلاطينها لعقولهم، والحزن والألم يعتصر قلوبهم. كما أنه من أجل أن يظل كل سلطان عندنا مستأثراً بدولته، باعتبارها إقطاعية أو عزبة له، كان لا بد من تغييب التفكير بأهمية تكامل المناخ والتضاريس الجغرافية والأرض في الوطن العربي، وما يمكن أن يقدمه ظاهرها وباطنها من خيرات لأبنائها، وحرمان هؤلاء الأبناء من إعادة مجد أمتنا وقوتها، لو توحدت وحكمتها دولة واحدة تسود فيها الحرية وكلمة القانون على الجميع، في ظل ديموقراطية الشورى التي تجعل الأمة مصدر السلطة.

صحيح أن الاستعمار الغربي الذي مزق أمتنا إلى دول كان ولا يزال حريصاً على عدم وحدة الأمة، وعدم إقامة دولة الأمة، وأن الوسيلة عنده إلى ذلك، كانت وجود حاكم على رأس كل دولة ودويلة، وخلق فئات تنتفع بالحكم وتُساعد الحاكم على خلق انتماءات إقليمية ضيقة على حسب الانتماء القومي والتطلع القومي. واستمرأ الحكام الجدد تمزيق الأمة من أجل كراسي حكمهم، وكرسوا التمزيق، وعصفوا بالغايات الوجدوية التي قامت على أسسها الثورة العربية الكبرى على دولة بني عثمان، واستثمروا سكوت الناس على الحاكم، استمراراً للتراث الديني القادم من الماضي لسلطة السلطان، حتى تداخل أو حل مكان الفقه السلطاني الشرعي، الفقه السلطاني الدستوري، ووصل حال أمتنا إلى الدرك الأسفل من التخلف.

تخدير الفكر السلطاني

ذلك أن أمتنا كانت قد دخلت إلى القرن العشرين وهي مخدرة بالفكر الديني السلطاني التراثي الذي يلغي دور العقل ليواصل نهج الاستبداد والتفرد بالسلطة حكام دول التمزّق العربي حتى الآن، وليستخدموا الدين كسند شرعي دائم لأخطر ما يحملون دولهم على إصداره من قرارات وتوجهات، وافتئات على الحقوق والحريات. وفي عدد من هذه الدول، قام الحكم فيها على أساس إقطاع سياسي، أصبحت بموجبه الدولة مملوكة لعائلة حاكمة حين أن شعبها لا يعدو أن يكون رعية تسبّح ذلك السلطان وتأتمر بأمره، تماماً كما كان الحال في دول أوروبا أيام العصور الوسطى. وعندما تبين أن تحت أراضي تلك الإقطاعات السياسية ثروات من النفط والمعادن تستعصي على الحصر، دخلت الأمة في مرحلة الشذوذ السلطوي. فالثروة الطائلة المستجدة، أصبجت في يد حكام يلبسون ثوب القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين: ويحكمون بمنطق الإقطاعي الذي يملك الأرض ومن عليها، وأصبحوا يستخدمون هذا المال للتفاخر ولشراء مواقف الدول الشقيقة محدودة الموارد والسيطرة على الصحافة ووسائل الإعلام، لتجميد التاريخ عند نهج العصور الوسطى، ووقف حركة الزمن، فكان الإسلام وطاعة ولي الأمر وعصمته، أكثر الطرق المجرّبة نجاحاً في الماضي، وسيلتهم لحكم الحاضر. وبهذا ساد نهج غريب باسم الدين. من يملكون الثراء من السلاطين، يشترون توجهات الدول ذات الإمكانيات القليلة، وحكام الدول الأخيرة يستأسدون على شعوبهم، فصودرت الحريات عند الشعوب وساد الاستبداد وحكم الأشخاص واختفى حكم القانون ودولة القانون.

ووفقاً لنهج الحكم على النحو السابق، فقد وصلت الأمة العربية الآن إلى حال من السوء والتدنّي، جعل المتنوّرين من أبنائها يفكرون بكيفية الخلاص والطريق إليه، خصوصاً أن ثورات الربيع العربي عام 2011 لم تنفع في قرع جرس الإنذار لخطورة الحال وضرورة الإصلاح، إذ بدلاً من القيام بإصلاح حقيقي، قامت سلطات الحكم بإصلاحات شكلية لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وفي الوقت ذاته شددت قبضتها الأمنية لإسكات الناس، وعززت ذلك بقوانين تختلق أنواعاً من الجرائم لا يعرف الفكر القانوني في العالم لها مثيلاً، وعقوبات مقررة لها شاذة في مدى قسوتها، وقضاءً مخصصاً لفرضها، لتستمر بذلك مصادرة الحقوق والحريات، وإسكات الناس على التسلط والاستبداد والفساد.

وعلى خط موازٍ مع ما سبق، شهدت الساحة العربية تكاثراً في فصائل جهادية متطرفة، تلبس ثوب الإسلام، وتستخدم العنف للوصول إلى السلطة، وتطبيق نهجها الديني، انطلاقاً من شعارها أن الإسلام هو الحل، وأن هذا الحل يقوم على فكرة الحاكمية «الحكم لله» التي كان قد طرحها الخوارج عام (37 هـ)، لتكون المحصلة عندها دولة إسلامية يستمد صاحب السلطة فيها سلطاته من رب العباد. ومن يدرس أدبيات هذه الفصائل، أو التنظيمات، أو الحركات، يجد أنها تنطلق من طرحٍ عقدي غيبي لا شأن له بالعقل. وقد تصاعد هذا النوع من الطرح بشكل أفقي منذ فترة الثمانينات من القرن العشرين، حتى وصل التطرف إلى قمة حدّته في السنوات التي انقضت من القرن الحادي والعشرين، وبشكل خاص، مع ثورات الربيع العربي التي ابتدأت حقبتها عام 2011. وليس هناك من تفسير لنوعية هذا التصاعد ومضمونه خلال ثورات الربيع العربي سوى القول، إن هذه الثورات إذ طرحت فكرة التغيير في الواقع السياسي في دول الوطن العربي، فقد وجد من كان وراء بعض توجهات الخطاب الديني المتطرف، أن خلو الساحة من تنظيمات ذات امتدادات جماهيرية ومجتمعية مؤثرة نتيجة منع السلطة لذلك، يجعل لتلك التنظيمات الغلبة في أن تصبح وريثاً لأي نظام سياسي تتم هزيمته، وتطبيق ما لديها من طروحات دينية، انطلاقاً من اعتقادها أنها بما تقدمه من شعارات تمس العواطف الدينية في المجتمع العربي، يعطيها أغلبية من الأتباع تمكنها من الاستيلاء على سلطة الحكم. واعتقد الفاعلون وراء تنظيمات الخطاب الديني، أن بمقدورها أن تسبق غيرها إلى السلطة، باستخدام السلاح والعنف والقتل والتخويف وإسالة الدماء. وحيث أن هذا النهج يتطلب إمكانات مالية ومادية لا تملكها، فقد تم إقامة تحالفات مع جهات عربية وأجنبية ذات أجندات خاصة للحصول على المطلوب. واستثمرت تلك الجهات هذا الواقع، فأصبحت تنشئ باسم الدين مثل هذه التنظيمات أيضاً لاستخدامها في صراعاتها الإقليمية والمحلية. وفي الحالين غدت الدول العربية ساحات للتدمير والنهب والقتل، وأصبح الإسلام هو الضحية عندما ظهر إلى العالم بأنه دين إرهاب وإرهابيين.

والحقيقة أن من يدرس طروحات هذه المنظمات التكفيرية، التي طفت على السطح وتسعى لإقامة ما تسمّيه الدولة الإسلامية، لا يجد لديها فكراً أو نهجاً أو برنامجاً، والحقيقة أن من يدرس طروحات هذه المنظمات التكفيرية، التي طفت على السطح وتسعى لإقامة ما تسميه الدولة الإسلامية، لا يجد لديها فكراً أو نهجاً أو برنامجاً يقيم دولة تتعامل مع معطيات الوقت الحاضر أو تُعالج مشكلاتها. وكل ما لدى هذه التنظيمات هو طروحات غيبية عقدية، تفسر الآيات المتعلقة بالعبادات والسلوك المرتبط بالقيم، رغم أن هذه المسائل تتناول علاقة الإنسان بخالقه من حيث، كيف ينبغي أن تكون، وما هي الجوانب الإيمانية والقيمية، ومن المفروض أن لا شأن لهذه المنظمات بها، لكنها مع ذلك تعتقد أن الإسلام يبيح لها أو يأمرها بفرض ما تعتقده فرضاً على الناس، ولو بقوة السلاح، وبالتخويف بالقتل أو الحرق أو تقطيع الأوصال عند الاقتضاء.

إننا لو نظرنا إلى هذا الفكر العقدي الغيبي الذي تؤمن به تلك المنظمات، من حيث صلته بالدولة الإسلامية شكلاً ومضموناً، وما ينبغي أن يعتقد به الناس من وجهة نظرها، فإن مكان هذا الإيمان والاعتقاد هو في الصدور والقلوب والضمائر، وبالمحصلة هو في دواخل الناس قطعاً، وهذه الدواخل لا رقيب عليها إلا الخالق جلّت قدرته. ووفقاً للآيات القرآنية التي خاطبت العقل أكثر من (800) مرة، كما أسلفنا، ليتفكّر ويتدبّر، فإن الإيمان بعقيدة دينية لا يُفرض فرضاً. لكنه ظهر في الفكر المتطرّف من يدّعي بأن الآيات، نسختها آية أطلقوا عليها آية السيف، رغم أن كلمة السيف لم ترد في القرآن الكريم، وآية السيف هذه هي عندهم الآية (5) من سورة التوبة، ومن ثم ظلت الآيات المنسوخة بالنسبة لهم، أي الـ124 الموجودة في القرآن لغواً، فاقدة الدلالة والحكم الشرعي!! وعند هذا الفكر المتطرف، فإن آية السيف هي الواجبة التطبيق في التعامل مع المشركين والأعداء، لقتلهم من دون هوادة أو رحمة، من أجل إقامة دولة الإسلام.

التكفيريين

وحتى نتبيّن مدى شذوذ تلك الطروحات التكفيرية وخروجها على صراحة النصوص القرآنية نقول، إن الآيات الثلاث الأولى من سورة التوبة، تتحدث عن براءة الله ورسوله من فئة من المشركن الذين خرجوا على عهدهم مع المسلمين، وأن مدة إنذارهم التي حددها القرآن لتوبتهم هي أربعة أشهر، وينبغي إعلان ذلك يوم الحج الأكبر وهذه هي الفئة الأولى. أما الآية الرابعة، فهي تتحدث عن فئة أخرى من المشركين الذين لم ينقضوا عهدهم مع المسلمين أو يظهروا عليهم، فأوجبت الوفاء بالعهد معهم إلى نهاية مدتهم. وهنا تأتي الآية الخامسة لتضع الحكم الشرعي على الفئة الأولى بعد انقضاء مهلة الأربعة الأشهر الحُرم التي فرضها القرآن لهم دون أن يرتدعوا.

وبعد، فإن التطرف والجهل بروح الإسلام القرآني، هو الذي شكّل ولا يزال يُشكّل، أكبر الأخطار على دين المسلمين وعقيدتهم، وهو الذي أصبح يعتبر الدم والقتل، وسيلة للتعامل مع الأمم والشعوب الأخرى، من خلال دعوة أصحاب هذا التطرف والجهل، لإقامة دولة إسلامية على هواهم ووفق مفاهيمهم بحد السّيف، تقتل المسلم وغير المسلم على حدٍّ سواء، وتنشر الرعب والخوف والتدمير في كل مكان. فأي إسلام هذا الذي يعتنقونه؟

Almustaqbal
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0