شوقي بزيع متجدّداً

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بول شاوول

شوقي بزيع في مجموعته الشعرية الجديدة «الحياة كما لم تحدث» (عن دار الآداب، بيروت)، يتفوق على نفسه، في قصائد مفترعة من لغة خصبة، أبعد من التبسيط، والقوالب الشعرية الخاصة، تجاوز البوحية، والمناسبية، إلى استشفاف تجربته من عمق «عمره». وحياته، بوقفات تأملية، حيّة، وبمداخل جديدة للغة. الإرث الذي صاغه بزيع على امتداد شعره، متراكم، ومتوالد، على استمرارية، عمودية وأفقية. لكن في مجموعته الصادرة حديثاً، اشتغل بصبر، على مكامن البنى، والعلاقات الكميائية والفيزيائية، والتحتية على قصائده. إنها اللغة، بمدلولاتها الباطنية، كأنما خرجت على ما يمكن وصفه بذائقة القارئ «الجماعي» إلى ما هو أكثف، وأكثر تركيباً، وأعمق تعاملاً مع المواصفات السابقة. إنها القصيدة المركّبة، بكل متعلقاتها، وروافدها، وبواطنها، وإيحاءاتها. وهذا في رأيي لم نجده، في أعماله الماضية كما وجدناه اليوم. طزاجة اللعبة الطويلة والتماع اللعبة الكثيفة، وطراوة المساحة التأملية، التي عرف في معالجتها كيف يجنّبها الذهنية الجافة، أو الخطابية المبسطة أو حتى المباشرة المجوفة. إنها لحظات حية متواصلة، تمتزج فيها عناصر القصيدة في فضاء متشابك، ومتصادم، لكن بلحمة بنائية تجعل من الكتاب كله «قصيدة» مصنوعة المتواليات، لا بلاغة شكلانية عرفناها إلى حدّ كبير مع شعراء الخمسينات أو الستينات أو السبعينات.. ولا قوافي طنانة، تخبط الحواس بضوضاء تلقائية تطريبية. ولا جناسات تحسّن الإيقاعات الخارجية. ولا استعارات تحيلها على تفاسير مبسطة، كأن تفسر الماء بالماء. إن هذه العناصر البلاغية لم تعد زخارف تخفي وراءها فراغات في المشاعر أو تصوراً في المستوى الذهني، أو إعراضاً عن ملاحقة البناء الموضوعي - الداخلي في العمل.

هنا بالذات تتحول الغريزية الشعرية (والشعر غريزة فائضة)، نوعاً من الكتابة هي، في قوتها، لا تنفي لحظات من الشفوية، لكن ليس تلك الشفوية التي تسعى إلى التطريب البراني؛ ولا إلى توسل الذائقة السائدة، ولا إلى وضع القصيدة على منصة الغناء، أو الهدهدة، بل في مناخ الهمس المعبّر، والصمت الموحي. ربما، على حد علمي، هي المرة الأولى التي نحس بقوة الصمت الموحية عند شوقي بزيع. الصمت، هو البياض الذي يحمل الدلالات والمسافة المفتوحة، وليس البياض «الزخرفي»، أو اللعب بغباء على سينوغرافيا الصفحة. وهنا بالذات يبدو للكلمة في القصيدة دور فيزيائي، إيقاعي يختبر، بجدية، تركيب مكونات القصيدة. الكلمة الجسدية، تقرع، أبواب الجملة، المتواصلة، كبنية قطبية في صناعة البنية الشعرية. إنها الإيقاع. لكنها نبض الموسيقى التي تلعب دوراً من خلال الكيميائية التي تذيب كل روافد العمل في وحدة عضوية داخلية. وبمعنى آخر، يبدو كل شيء (وربما للمرة الأولى) عند بزيع جزءاً من داخل الجسد. من حواسه، من تناقضاته. من وعورته. من شهواته (واللغة شهوة!) ورغباته، وخيباته، وزمنه المتداعي في ما يسمى نضج العمر - أو بداية خيانته، أو نهاية سيادة الكائن عليه. من هنا بالذات، يأتي الكلام على هذه المناطق الملتبسة، على غموض الإشارة، وانخفاض النبرة... ليتداعى كل شيء من الداخل. كل ذلك، مسيس اللغة بكل أعراض الوقت، ومشتقاته، ولحمه، وعروقه، ومضاربه، وانحساراته البطيئة،

تقرأ شوقي وكأنك تكتشف نواحي لم تعهدها من قبل عنده. وهذا عائد إلى أسبابه، بمواده التعبيرية، على صوغٍ خارجي - داخلي للتجربة. هنا بالذات، لا تتذكر في إلمامك، شعراء «اللغة»، أو المدرسة اللبنانية، كسعيد عقل (ولكن كأمين نخلة الأكثر رهافة بالتعامل مع مخزون الإرث)، كما أنك لا تستذكر ما يمكن أن يكون وقع العديد فيه، وهو تبني النموذج السيابي (الانسيابي المركب)، أو البياتي (التبسيط) ولا أدونيس (اللعبة اللغوية الهاتفة)، ولا صلاح عبد الصبور (اللغة اليومية الاستشفافية)، بل ربما تستذكر الشاعر الكبير الياس أبو شبكة، ذا العصب المشدد، والعصبية المستنفرة، والجملة النافذة، والإيقاع الحاد، ولا خليل حاوي واللغة الأسطورية - السردية الذهنية المفسرة.. ولا أعني هنا تأثر شوقي المباشر بشاعرنا الكبير (شاعر الأعمال والتمرد والحطم)، بل مجاورة لتجربته (ولكل شاعر مجاورته الشعرية أحياناً).

وهنا يهمني من خلال «إنجاز» شوقي الجديد، بعد أربعين عاماً من تجارب الحياة والحروب... والمآسي، أن أشير وإن بشكل ملتبس، إلى أنّ شوقي خرج بهذا العمل من ركب شعراء كبار، لم يتجاوزوا تجاربهم الأولى الرائعة، فراحوا يكرّرونها، بعدما ضمنوا تكريساً (والتكريس أحياناً يفضي إلى الجمود والترداد).

ويمكنني هنا أن أستيعد تجارب الشاعر الكبير محمود درويش: بداياته كانت جزءاً من موروث الشعراء الحداثيين، وصوتاً للقضية الفلسطينية، بما يتطلب ذلك من علاقة قريبة، عضوية بالجمهور؛ وكأن الجمهور كان يكتب له قصيدته. لكن إذا أخذنا أعماله الأخيرة نجد أنه قفز قفزة مذهلة، في تجاوز اللغة، فقدم لنا «قصيدته» (التجريبية)، الخاصة، التي، على اتصالها بقضيته أو سواها، ذات نبرة جديدة، ونصوص طليعية مركّبة.

وهو بذلك كأنه سار عكس تيار الشعراء الذين يكتبون قصيدة، ثم يكتفون خارج هواجس «نفي» الذات، وإدراك مناطق تجارب جديدة.

كتاب شوقي بزيع الأخير، «الحياة كما لم تحدث»، هي خروج ما، على أنماط شعره السابق ومتطلباته ومفارقاته.

إنه لحظة جعلت أفقه أكثر انفتاحاً، ولغته أكثر كثافة، ودلالاته أكثر تنوعاً، وخصباً!

أحببنا شعرك يا شوقي.

almustaqbal

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0