الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | العالم أفضلُ اليوم من أمس؟

العالم أفضلُ اليوم من أمس؟

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بول شاوول

 

بأي منظار نرى العالم اليوم؟ بالتشاؤمية (التي باتت في بعض جوانبها «حتمية»)، التي كوّنتها الحروب والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والحروب والمآسي، وأشكال الانحطاط، والأنظمة الدكتاتورية (المستجدّة)، والنزعات العنصرية، والتراجعية، وفوبيا الكراهية، والجنون، والخوف، والموت، أم بالتفاؤلية؟. قد يلخّص ذلك سؤال: هل العالم اليوم أفضل من أمس، أم العكس؟ هل نَحِنّ إلى السابق، باعتباره أجمل «رزق الله عَ تلك الأيام»، أم ما زلنا نرى في المستقبل (انطلاقاً من الحاضر) عالماً أفضل، وتاريخاً مقبلاً أصفى؟

الناس، اليوم، إذا ساءلتهم، وكذلك المثقفون، وحتى العلماء، والسياسيون نجدهم أميل إلى النظرة السوداء. وهذا الشعور، نتوارثه: حتى آباؤنا وأجدادنا كانوا يردّدون «رزق الله عَ أيامنا»؟. والأبناء عندما يكبرون، يردّدون القول نفسه. أترى النزعة الحنينية شعور إنساني لازب؟ أم أن ما يقولونه مجرّد صدى لأقوال مأثورة «سقى الله أيام زمان». وهكذا دواليك.

اليوم، تزدحم الأحداث، والحروب، والتهديدات بفناء البشر، بالحروب أو بالقنابل النووية، أو بتغيّر المعدلات المناخية، والحضارية، التي تؤدي إلى انقراض كائنات حيوانية ونباتية. العالم ينقرض، أم يتجدّد؟ يحتضر أو ينهض من أزماته وكوابيسه.

لكن السؤال المهم الآخر: هل تصلح عبارة «تفاؤلية» أو تشاؤمية، لقياس الآمال أو الإحباطات، وهل يصح أخذ المعطيات الحاضرة بمثل هذه الثنائية، للحكم على أحوال الحاضر أو المستقبل؟

أولاً: التشاؤم، أو (التفاؤل) حالة نفسية أو فكرية، (قد تلازمان طبيعة البشر)، لا تتأسّسان بشكل موضوعي أو علمي أو إحصائي. أو بالأرقام. أتكون هذه حالتنا: الحكم العشوائي، أو الشعوري اللحظوي، أو الغريزي، أم المستندات التاريخية. أهي نظرة الغالبين (المتفائلين)، أم المغلوبين (التشاؤمية).

كل شيء انتهى. كل شيء انهار. إنه العدم. اللاشيء. نهاية العالم. إذا أخذنا بالأمور من هذه الزاوية، نكتشف أن فلاسفة كباراً بشّروا بسقوط الإنسان (كما سقوط الملائكة، أو طرد آدم وحواء من الفردوس)، كشوبنهاور ونيتشه في مطالعه (موت الله)، وبالفلسفة العدمية، واللاشيئية، كما نجد في الاتجاهات العدمية واللامعقول (بيكيت، يونسكو، سيوران وهم أبناء شوبنهاور)، إنها فلسفة إذاً. تلمّسٌ ميتافيزيقي للعالم. بل تلمّس «ديني» تسوّقه حتمية تاريخية مغلقة، مسدودة، مفتوحة على اليأس، وفقدان القيمة بالإنسان (الإنسان الساقط، والقيم الساقطة، بما فيه الإيديولوجيات التقدمية، وفلسفات الصيرورة، التاريخ يسير في طريقه إلى الغد الافضل)..

أصدر السيكولوجي واللغوي الكندي ستيفن بنيكر كتاباً (قبل 6 سنوات)، ترجم الآن إلى الفرنسية بعنوان «الجزء الملائكي فينا». يحاول أن يدحض، مجمل التصورات الانحطاطية، والتشاؤمية، ليقول لنا «اليوم أفضل من أمس»!

فعلامَ يستند الأستاذ في هارفرد، ليغامر، بالسير عكس التيار السائد. التيّار الأسود المليء بثقوب النهايات؟

الكتاب لا ينتمي لا إلى فلسفة التاريخ، ولا إلى حتمية (الماركسية، والدينية)، بل إلى الأرقام: ألوف الإحصائيات، إضافة إلى مئة صفحة من النوطات. بالأرقام يريد أن يسقط التشاؤمية السائدة، لأنها حالة فكرية، ونفسية لا تتناسب وتحليل الواقع. إذاً، «صدم التشاؤمية» بالأرقام والوقائع وليس بإحساسات أو بأفكار جاهزة، وتوصّل الكاتب إلى استنتاجات يراها عينية «تظن أنّ العنف (ضحايا الحروب، القتل، والوحشية الحيوانية والتهديدات الكونية...) لم يكف عن التراجع منذ ما قبل التاريخ الذي نعيشه اليوم، وأننا نعيش زمناً سلمياً في التاريخ»... رائع. أيعني ذلك أنّ الإنسان قد «تحسّن»؟ «لا»! «لكن قوى تاريخية ودول تحدّ من شراسة العنف، بل أكثر تحسّنت المرأة عمّا كانت من قَبل، والعولمة، وحيوية العقل تدفعه إلى تقنين العنف»! أهذا مخالف لما نجد من تهديدات تطلقها كوريا الشمالية بتجربة صواريخ نووية عابرة للقارات، وعملية القتل التي باتت روتينية، وترامب (يعادل خطره خطر كيم الكوري)، والحروب في سوريا، واليمن، والعراق، وأفريقيا... والعنف يتراجع؟

] الأرقام

إنه يعود إلى الأرقام: ففي الكتاب تسجيل سنوي دقيق للأحداث الأعنف والتهديدات، الأخطر ليخلص «ليس لهذا أي معنى إذا قورن بعصور تاريخية أخرى»!

ففي أعوام 1970، و1990 كان ماو تسي تونغ «يهدّد الغرب بصواريخ نووية ويؤكد أنّ سقوط مئات الملايين من القتلى أمر عادي». وهل ننسى الحربَين العالميّتَين اللّتين سقط فيهما نحو 70 مليون شخص؟ وهل ننسى حروب الكوريّتَين، وفييتنام، و1967، و1973... بين العرب وإسرائيل؟...

هذه المقارنات الكبيرة تفضي عند المؤلف إلى مقارنات: الهجمات الإرهابية في أوروبا 1970 مع منظمة ألايرا، و«الألوية الحمراء»، وجماعات ماركسية أخرى، يضاف أنّ الرئيس ريتشارد نيكسون، الرجل الأقوى في العالم، وجّه الأسلحة النووية إلى الاتحاد السوفياتي.

] تراجع اليمين المتطرّف

وتندرج آراؤه المعزّزة بالمستندات والأرقام، أنّه، حتى اليمين المتطرف، والنيو نازيين، والحركات الإرهابية لا تسجّل تصاعداً في أرقام المتطرّفين. فالأرقام تشير إلى أنّ اليمين المتطرّف، يتراجع في الولايات المتحدة.. 

فمنذ بداية 1960، المواقف، والتابوهات، بين الرجل والمرأة، والعنصرية، وفوبيا الكراهية، مستمرة في التراجع في العالم..

انتخاب الأسوَد باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة أبلغ مثال (لكنه ينسى انتخاب ترامب وما يعنيه ذلك من محاولات التراجع عن هذه الأفكار العنصرية، وحتى الديموقراطية)، إلى مزيد من التقوقع «أميركا أولاً»، كما هي الحال في أوروبا: ظواهر الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وتنامي الشعبوية، والعنصرية، بما تشكلان علامات عنف رمزي أو مادي!

] هشاشة الديموقراطية

وماذا عن أفول الليبرالية الغربية؟ نقرأ في كتاب ادوار لومس عكس ما يراه مؤلف الكتاب «إن تراجع الديموقراطيات ينذر بهشاشة نموذج الديموقراطيات الغربية: فهي تتراجع في روسيا وفنزويلا. بل إن الديموقراطية لم تعد قيمة في بلداننا». أهي أفكار مضلّلة، أو تشاؤمية، خارج الحياة والواقع؟

هذا ما يردّ عليه المؤلف: ترى مؤسسة «Poly Project»، أن البلدان المنفتحة «سجلت عام 2015 أفضل نتيجة لمصلحة الديموقراطية منذ عام 1800».

في السبعينات كان يشكو فيلي برانت «إنّ أوروبا الغربية لن يتبقّى لها سوى عشرين أو ثلاثين عاماً من عمر الديموقراطية، وأنها ستغرق بعدها في محيط الدكتاتوريات المجاورة». لكن، في تلك الفترة لم يكن في العالم سوى 35 نظاماً ديموقراطياً. ارتفع العدد في 1989 إلى 52 نظاماً، ووصل اليوم إلى 103 دول.

«فمعظم البلدان صارت ديموقراطية، وثلثا سكان الأرض يعيشون في كنفها». حتى الدكتاتوريّون الصينيون باتوا يوفّرون بعض الحريات الفردية، شرط عدم انتقاد المهيمنين في الحزب الشيوعي. فالصين أكثر ليبرالية مما كانت عليه أيام ماو تسي تونغ، وتقول منظمة «World Values Survey» إن العالم كله، بما في ذلك أفريقيا والنظم الإسلامية، أصبحت أكثر ليبرالية منذ عام 1960، في مواقفهم من حقوق المرأة، والمثليين، أو المشاركة الديموقراطية... أو في الحياة العامة.

لكن السؤال: هل تكفي الأرقام لتحديد الواقع من داخله ومن ومعيشه، ومن خفاياه؟ صحيح أن ما جاء في كتاب المؤلف، من شأنه الحدّ من الشعوبية والديماغوجية اللتين تشوّهان الواقع، بالأكاذيب، والشعارات، (وأحياناً حتى بالأرقام المغلوطة) لكن استنتاجات الكاتب مهمة لكن غير كافية. والدليل أنّ الاستفتاءات الراهنة (الأكراد، كاتالونيا، وقبلهما بريطانيا للخروج من البريكست)، لم تكن دقيقة في نتائجها، وفي تأكيداتها، فالاستفتاءات تتجاوز الفروقات والتعدديات داخل المجتمعات، إضافة إلى أنها تأتي في ظروف حماسية، مطلوبة، تهمل جانباً كبيراً من الأصوات الأخرى، ومن توجهات النخب. الاستفتاءات بالأرقام، تنتمي إلى الأساليب التوتاليتارية، التي تزعم وحدة الشعب، أو انسجامه؛ وهي وحدة هشّة، تتضمن مفارقات بنيويّة، تنحاز إلى نوع من الشعبوية. وقد دلت الوقائع أن الأكراد غير متفقين على نتائج الاستفتاء بالانفصال عن العراق. والمظاهرات الضخمة التي انطلقت في كاتالونيا، والرافضة الاستقلال عن إسبانيا، خير دليل على ذلك، والانفصاليون في كلا البلدين، لم يوافقوا على الإجماع. وكل نتيجة بغير إجماع قد تؤدي إلى حروب أهلية. أوليس هذا ما حصل في اليمن عندما انشقت أقلية عن الحكومة الدستورية، بشعارات مذهبية، فأدى ذلك إلى نزاعات داخلية مسلّحة (هنا تصرف الانفصاليون من دون استفتاء).

] البيروقراطية

كما أن المؤلف باكتفائه بالأرقام والمستندات، وقع في ما يسمى البيروقراطية. أرقام من تحت لا تعبّر عن حساسيات الجماعات والمكونات والفروقات الاثنية والسياسية، والإيديولوجية. فوقع في التبسيط: وفي تعداده للدول المنضوية اليوم تحت راية الديموقراطية، للتأكيد أن حالة الديموقراطية أفضل، فاته أنّ ممارسة الانتخابات بأشكالها المختلفة، لا تصنع ديموقراطية. فالديموقراطية الشكلية شيء، والكلية شيء آخر. 

وإذا وصلت أرقامه الـ105 دول ديموقراطية، اليوم، فكان يجب أن يقول لنا: أي ديموقراطيات هي. وأي سلطات تفرز. وأي حكم تنجب. هتلر صعد إلى السلطة في نظام ديموقراطي، ومنه، إلى نظام استبدادي شمولي. فكيف انتقل الناس فجأة من ممارسة حقوقهم الديموقراطية، القائمة على تعددية الأحزاب والأفكار، إلى تأييد نظام دكتاتوري احادي، عنصري، يستلهم، البيولوجيا والعرق، للوصول إلى الحكم. وهذا ما يمكن أن يُقال حتى عن الاستفتاءات حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أكانت الاستفتاءات سليمة، ألم يتلاعب بها خوارج انكلترا، بترييف الوقائع والأرقام الاقتصادية، وتوجهات شرائح كبرى من الناس؟ وماذا لو كرّت سبحات الانفصال عبر هذه الاستفتاءات، إلى دول أخرى في أوروبا وغيرها، بذريعة أنها تمثّل شعوب تلك البلدان. بالأرقام، فلعبة الديماغوجية تتكرر. ونذكّر المؤلف، أن الأنظمة الدكتاتورية في فنزويلا مثلاً، صعّدت من أصوات الانتخابات الشرعية؛ وهذا ما جرى في أحوال أنظمة عربية مثل مصر السادات ومبارك، وصدّام... أوَلَم تؤدي أرقام الاستفتاءات الشعبية إلى نسب 99,99 بالمئة، وحتى 100 بالمئة مع صّدام وحافظ الأسد. ذلك أن آليّة الاستفتاءات الراهنة، وكذلك الاستطلاعات، قد دحضتها الوقائع: كل الاستطلاعات أكدت أن هيلاري كلينتون ستفوز بالانتخابات على ترامب: وجاءت النتيجة عكس ذلك.

ويمكن تطبيق ذلك على مختلف الانتخابات: هناك لعبة المال، والإعلام، والعنف، والتدخلات الخارجية، والشعبوية، وكلّها، قد تصبّ في التزييف، والخداع. وقد شكّك المؤلّف أصلاً بالإعلام الذي يضخّم الأحداث السيّئة، ويغيب عن الأحداث الإيجابية.

لكن، برغم ذلك، فقد حفّر هذا الكتاب وغيره مكاناً للموضوعية، موضوعية الأرقام، ومن شأن ذلك أن يحدّ من آثار الشعبوية. لكن السؤال الغريب: هل يحب الناس الحقيقة؟ أو تدخل «العلم» في تبيان واقعهم، أم إنهم، باتوا يفضّلون زمن «ما بعد الحقيقة»، ولا يستمعون سوى إلى الأخبار الكارثية! 

أمر واحد لم يركّز عليه الكتاب، (وهو ربما لمصلحته)، وماذا عن أوضاع العرب، منذ السبعينات حتى اليوم؟

هذا ما سنحاول معالجته لاحقاً.

almustaqbal
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0