الرئيسية | مقالات مختارة | رفيق الحريري… ستبقى خالداً في ذاكرة بيروت والوطن

رفيق الحريري… ستبقى خالداً في ذاكرة بيروت والوطن

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الدكتور فوزي زيدان رئيس اتحاد جمعيات العائلات البيروتية

تمضي السنوات وما زال رجل المآثر الكثيرة والإنجازات الكبيرة وصاحب الرؤى الثاقبة والمنهجية السليمة في بناء دولة مدنية حديثة وقوية مرتكزة على المؤسّسات، الرجل الذي أعاد بناء ما هدّمته الحرب الأهلية المقيتة من بنى فوقية وتحتية، وأضاف إليها جسوراً وشبكات طرق متشعّبة ومطاراً حديثاً وكبيراً اعتبره البعض يومها إهداراً للمال العام، فإذا به اليوم يضيق على مستخدميه، والذي رمَّم الوسط التجاري للعاصمة على نمط يجمع بين التراث والحداثة، الرجل الذي أعاد لبنان إلى الخريطة العربية والدولية بعد أنْ كاد يندثر وجوده عليها، فإذا بلبنان يصبح على ألسنة قادة العالم الكبار ويحظى باهتمامهم وعنايتهم.


نعم، ما زال رفيق الحريري يسكن وجدان كل لبناني حر، وخصوصاً وجدان البيارتة، الذين أحبوا فيه وطنيته الصادقة وعروبته الصافية وحبه لبيروت وتفانيه في ازدهارها وتعزيز مكانتها، فبادلوه الحب بالوفاء والولاء.


اثنتا عشرة سنة مرّت، والكل في انتظار جلاء المحكمة الدولية، التي تنظر في جريمة العصر الإرهابية التي أودت بحياة رفيق بيروت والوطن، الحقيقة الكاملة لهذه الجريمة، وأسماء مرتكبيها والمشاركين فيها وما سيصدر عنها من أحكام ضدهم. ومعلوم أنّ هذا الكل يعرف بحسّه وبمتابعته للأمور الجهة التي أمرت بالقتل وتلك التي نفذته.


ويبقى السؤال لماذا اغتالوا رفيق الحريري؟ سيناريوهات عدّة كُتبت وقيلت بهذا الخصوص. وإذا دقّقنا في مواقف الرئيس رفيق الحريري قبل استشهاده من الوجود السوري في لبنان، ومحاولاته الحثيثة لتنفيذ اتفاق الطائف بما يضمن تحرير القرار الوطني والإدارة والمؤسّسات العسكرية والأمنية من الهيمنة السورية، وتطلّع شريحة واسعة من السوريين تعاني الظلم والتهميش نحو مَنْ اعتبرته القدوة والأمل. وبما يجري اليوم في لبنان والمنطقة من أزمات سياسية واضطرابات أمنية تساهم في إثارتها وتأجيجها قوى إقليمية ودولية بهدف إعادة رسم خريطة المنطقة وتوزيع النفوذ فيها، وانخراط ميليشيات أنشأتها طهران في عدد من الدول العربية تتبنى إيديولوجيتها الدينية وتشاركها الأجندة السياسية في حروب تساهم في تغطية وجودها ونفوذها في هذه الدول، وبالتالي تخدم مشروعها التوسّعي في المنطقة العربية. التدقيق في كل هذه الأمور يجعلنا نضع دمشق وطهران على رأس قائمة المتهمين، لما كان يمثّله الرئيس الشهيد من تهديد لمصالحهما نتيجة ما كان يتمتّع به شعبية لبنانية وعربية واسعة وعلاقات دولية قوية تقفان سدّاً منيعاً أمام سياساتهما الاستئثارية والتوسّعية.


ومعلوم أنّ القرار الاتهامي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد أشار إلى الجهة التي نفّذت جريمة الاغتيال، التي تشكّل مع دمشق وطهران محوراً سمّوه من أجل خداع الناس وتضليلهم «محور الممانعة والمقاومة». وما تشهده المنطقة من حروب وفوضى هو نتيجة تشابك الأهداف والمصالح بين واشنطن وموسكو وطهران وأنقرة، والخاسر الأكبر هم العرب والرابح الأول هي تل أبيب.


لقد كان رفيق الحريري زعيماً وطنياً كبيراً منفتحاً على كل المكوّنات السياسية والطائفية، يرفض مقولة إنّه زعيم السُنّة في لبنان، لأنّ في ذلك تحجيماً لشخصه ولدوره الوطني الجامع، فهو كان يعتبر الوطن أهم من الشخص ولطالما ردّد شعار «ما حدا أكبر من بلده»، مع أن واقع الأمور كان يشير إلى أنّه كان بالفعل أكبر من لبنان، وتجلّى ذلك بمكانة لبنان المتقدّمة في عهد الحريري وحصوله على الدعم السياسي والمالي العربي والدولي القوي نتيجة علاقات الحريري الوثيقة والمميّزة مع زعماء العالم.


كان الرئيس الشهيد يتعامل مع الأزمات الوطنية بحكمة وروية، وكان يُجيد تدوير الزوايا كي تأتي الحلول في مصلحة الوطن والعيش المشترك، حتى ولو تعارضت مع مصلحته الذاتية، وكم نحن أحوج في هذه الظروف التي تمر فيها المنطقة وتشهد تطوّرات وتحوّلات كبرى، خصوصاً بعد انتخاب دولاند ترامب رئيساً للولايات المتحدة إلى وجود رفيق الحريري.


ويسير على خطى الرئيس الشهيد نجله دولة الرئيس سعد الحريري الذي يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار، وهذا ما فعله بسلوكه، في سبيل إنهاء الفراغ الرئاسي الطويل، طريقاً مخالفاً لتوجّهات قاعدته الشعبية، حفاظاً على الوطن وعلى وحدته الوطنية، بينما يتعامل معظم الأفرقاء السياسيين الآخرين مع الأمور الوطنية المصيرية من زاوية مصالحهم الخاصة.


والموضوع الطاغي على المشهد السياسي اليوم هو إنجاز قانون انتخاب جديد، فبدلاً من أن يعمل الأفرقاء السياسيون على مشروع قانون يؤسّس للمرحلة السياسية المقبلة، ويعبّر عن تطلّعات أكثرية اللبنانيين بالتغيير، ويعتمد المعيار الواحد ويؤمّن المساواة والعدالة وحسن التمثيل لكل اللبنانيين في جميع المناطق اللبنانية، يحاول كل فريق فرض قانون يؤمن له حصة وازنة في المجلس النيابي الجديد ويوفر له فرصة المشاركة في تركيب السلطة المنبثقة من الانتخابات. فالثنائي الشيعي يريد قانون انتخاب يُتيح له التمدّد في المناطق اللبنانية وكسب مقاعد نيابية فيها، والثنائي المسيحي يريد الاستحواذ على كل المقاعد المسيحية في تخطيط واضح لمعركة رئاسة الجمهورية المقبلة، وتيار المستقبل والحزب التقدّمي الاشتراكي العابران للطوائف يرفضان قانون انتخاب يحصر نفوذهما في الشريحة الطائفية والمذهبية الطاغية على تكوين كل منهما.


ويعتقد كثيرون بأنّ اعتماد النظام الأكثري في الدوائر الصغرى أو النظام المختلط بين الأكثري والنسبي في الدوائر الكبرى هو النظام الأنسب للبنان في الظروف الراهنة، كون النظام النسبي الكامل يؤدي إلى اهتزازات ومشكلات سياسية وأمنية في حال شعرت أي شريحة طائفية أو مذهبية بغبن أو تهميش.


ويعمل الرئيس سعد الحريري، الذي شكّلت عودته إلى رئاسة مجلس الوزراء نقلة نوعية في أوضاع البلاد على مختلف المستويات نتيجة اعتداله وحيويته وكبحه لجماح التشنّج المذهبي، على إنجاز قانون انتخاب يؤمّن التمثيل الصحيح ويحافظ على الوحدة الوطنية التي تشكّل مدماك الحريرية السياسية.


وفي الذكرى الثانية عشرة لاستشهادك نعاهدك، يا مَنْ كنت لنا نعم الرفيق والصديق والقائد، بأننا سنبقى أوفياء لذكراك ولحامل أمانتك الرئيس الحبيب سعد رفيق الحريري. وستبقى يا أبا بهاء خالداً في ذاكرة بيروت والوطن

aliwaa

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0