الرئيسية | بأقلامكم | حقيبة الأحزان

حقيبة الأحزان

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

*الكاتبة:أمل الراغب

أمسكت حقيبتها السوداء والقت نظرة أخيرة على المدينة، أخذت تستجمع قواها وما تبقى لها من ذكريات لم تكن يوما سعيدة، حاولت ترك ابتسامة في وجوه القطط التي أتت تبحث عن شيء تسد به جوعها، لكنها لم تقوَ على شد خديّها ورسم ابتسامة كاذبة كتلك التي كانت تصطنعها في السابق. تخلّت عن كل شيء وهمّت بالرحيل، في الحقيقة لم يبقَ شيء لتتخلى عنه، بل أن كل شيء قد تخلى عنها، ابتسامتها، أحلامها، أهلها، زوجها، حتى ابنها الوحيد الذي تبقّى لها من بعد غياب زوجها منذ أعوام، رحل هو الآخر دون أن يودّعها. قامت بالمستحيل حتى تراه شابًا ناجحًا يعوضها عن كل الألم الذي تجرعته في حياتها، ويوم فرحت بتخرجه تبدَّلت دموع عينيّها من دموع الفرح إلى دموع الفراق، لم يخبرها يوما بعشقه لتلك الأخرى التي كرّس حياته لها وما إن اشتد عوده حتى لحق بها. وصلت إلى المعبر ليس معها سوى حقيبة واحدة وجواز سفر، سألها الجندي عن وجهتها، تلعثمت ولم تعرف بماذا تجيب، فعاد يسألها إذا ما كانت رحلتها ستطول، التفتت إلى الخلف ثم عادت بنظرها بسرعة وهي تؤكد له أنها لن تعود، سألها مجددا باستغراب هذه المرة لماذا لا تريد العودة أليس لديها أهل أو أقارب، لكنها لم تنبس بحرف، بل أطرقت رأسها وسمحت لدموعها بحرية التعبير عمّا تختلجه في داخلها، ما هي إلا لحظة حتى عادت ذكرياتها المؤلمة كلها أمام عينيّها وكأنها تشاهد فيلما سينمائيا على الشاشة، لكن الفارق هنا أنها كانت بطلة هذا الفيلم، ولم تكن يوما كاتبته أو مخرجته، ألا ينتصر دائما الأبطال في النهايات؟ ألا يتغلبون على كل الصعاب؟ ولكنها كل من تبقّى من ممثلي هذه القصة. راحت تردد هذه الاسئلة في ذهنها وتسترجع ضحكات ابنها تارة وحزنه تارة أخرى، تذكرت كيف كان يتغنّى بجمال حبيبته في حضورها ولم تنتبه يومًا أنه هام بها عشقا لدرجة تجعله يترك والدته لأجلها، شعرت للحظات بحقد شديد عليها لأنها سلبتها أعز من لديها، ثم رفعت رأسها مجددًا وسحبت جواز السفر من يد الجندي قائلة: "بلى يا بني، ما زال لدي حبيبة ابني هنا، وما زال عطره معجونا بتراب قدسها" ثم عادت أدراجها.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (2 مرسل):

في 24/10/2016 17:01:15
avatar
جو درامي رهيب ملا معانة انوثة بالماسي وهدا ان دل على شيء فانه يدل علىاول من يكون معني بهذه المشاهد الماساوية هي المراة التي تصنع الحدث دائما في الماسي فاحتيرك لهذا الموضوع هو ايجابي ودس لا بد ان يؤخذ بعين الاعتبار ونحن تعودنا عن كتاباتك الهادفة
مقبول مرفوض
1
nadia dukhan في 24/10/2016 15:43:27
avatar
ذاك فيلم مؤلم من أفلام الحياة المنتشرة كثيرا هذه الحياة صوره وشخوصه تملئ الواقع ...نفني اجسادنا وأرواحنا في سبيل سعادة أولادنا ظنا منا اننا سنحصد ثمار جهدنا يوما ما ولكن تقع الكارثة اذ نجدهم خرجوامن تحت مظلتنا وانطلقو للشمس بعيدا بعيدا عنا دون رجوع ...تختلف أسباب البعد والفراق واحد ... ولا يبقى لنا منهم الا طيفا وحنين فنجلس على أعتاب الذكرى نلملم ضحكات الماضي ودموع الحاضر وألم الوحدة و الفراغ في المستقبل ..هكذا هي الحياة ...ابدعتي امولولة في وصف اختلاجات الروح وفوضى المشاعر في نفس البطلة ..انفطرت روحي ألما عندما قررت الام العودة من أجل اي شيء يذكرها بابنها وليكن أثر محبوبته اذ قلت [ حبيبة ابني هنا، وما زال عطره معجونا بتراب قدسها" ثم عادت أدراجها] ...يا الهي كم هي قاسية الحياة وكم نحن مقصرون مع امهاتنا ...تبدعين دوما في اختيار مواضيع وشخوص قصصك ...تبدعين في طريقة سردك التي تفيض بالجمال والبساطة والعمق ..دمت متميّزة دوما ....
مقبول مرفوض
1
المجموع: 2 | عرض: 1 - 2

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
5.00