الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | رمضان طرابلس.. تاريخ وإيمان

رمضان طرابلس.. تاريخ وإيمان

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

ـ علاء بشير

تعيش مدينة طرابلس أجواء شهر رمضان المبارك بكل ما فيه من تجليات لما يختزنه هذا الشهر الفضيل من روحية عالية ومن عادات وتقاليد موروثة يدأب أهل المدينة على الالتزام بها. واذا كانت ميزة رمضان انه تمارس فيه رياضة دينية روحية وصحية في آن، فانه يمتاز في طرابلس بالكثير من الخصوصيات. وعلى سبيل المثال لا الحصر، زيارة الاثر الشريف في الاسبوع الاخير من رمضان في المسجد المنصوري الكبير، وكذلك الاحتفال في الجمعة الاخيرة منه بختم البخاري في جامع طينال التاريخي وسط اناشيد وابتهالات. اضافة الى ذلك، الانقلاب العام الذي يحدثه رمضان في النفوس من خلال الرونق الخاص الذي يتحلى به والاصالة والتاريخ اللذين يتمتع بهما، لاسيما وأن طرابلس من المدن القليلة التى تحتفظ بخصوصية رمضانية قلما نجدها في مدن اخرى. وما زادها هذا العام رونقا مشاركة الفرقة الموسيقية التركية، والامسيات التراثية التي ستنظم وهي بمثابة عرس للمدينة. في حين غابت مظاهر الزينة باستثناء تلك التي رفعت في ساحة النور واللافتات التي رفعت من قبل دائرة اوقاف طرابلس ترحب بقدوم الشهر الكريم.

ووفقا لما يرويه مؤرخ طرابلس عمر تدمري بأن لشهر رمضان المبارك نكهة خاصة في المدينة، فهي وإن كانت تشهد احتفالات مشتركة في الإفطار والسحور وصلاة العيد وغير ذلك، مثل غيرها من المدن العربية والإسلامية إلا أن الطرابلسيين لهم خصوصياتهم المميزة. ففي أواخر شهر شعبان وقبل حلول شهر الصوم يخرجون من بيوتهم إلى المتنزهات الطبيعية.

يضيف تدمري: من أهم المظاهر الرمضانية المتوارثة منذ عصر المماليك قبل ما يزيد على 700 عام، أن عقود الإيجارات للحمامات العامة في أسواق طرابلس القديمة كانت تستثني شهر رمضان، فيكون على مستأجر الحمام أن يدفع الإيجار عن أحد عشر شهراً فقط، لأن الطرابلسيين في النهار صائمون، وفي المساء يصلون التراويح في المساجد ثم يسهرون في المقاهي والمنازل، ولا وقت لديهم للذهاب إلى الحمامات. ولهذا كانت أكثر الحمّامات مقفلة طوال شهر رمضان، ولا تُفتح إلا ليلة العيد.

والمعروف أنه كان في طرابلس عشرة حمّامات: الحاجب في السويقة، القاضي في الدباغة قرن خان العسكر، النزهة أسفل جسر اللحّامة، العطار في الملاحة، عز الدين بباب الحديد، القلعة وهو خاص بأنفار القلعة، البرطاسي بسوق النحاسين، العبد بسوق الصياغين النوري بسويقة النوري، الدوادار بقهوة الحتة والحمّام الجديد بالحدادين. وكانت هذه الحمّامات تشهد إقبالاً وازدحاماً شديدين ليلة إثبات شهر رمضان، وليلة إثبات العيد. ولكن، اعتباراً من منتصف القرن الماضي، تعطل دورها الاجتماعي في تاريخ المدينة بشكل شبه نهائي.

ومن المظاهر الأخرى عدم إجراء عقود الزواج في هذا الشهر المبارك، وهذه الظاهرة لا تزال سارية إلى الآن، حيث يجتهد العروسان في عقد قرانهما قبل حلول شهر رمضان أو بعد انقضائه في ثاني أيام العيد.

وكان الشهر الكريم قديماً عابقاً بالروحانيات والأجواء الدينية حيث تكثر مجالس الحديث والفقه والتفسير في المساجد، وكان الجامع المنصوري الكبير يعجّ بالمؤمنين الذين يتابعون الدروس والمواعظ، وكان حرم الجامع يشهد أكثر من حلقة علمية في وقت واحد كما كان عليه الحال في الجامع الأزهر بالقاهرة قبل أن تنشأ الجامعة الحديثة. فكان أحد العلماء يعقد حلقة للوعظ بعد صلاة الفجر، وآخر قبل صلاة الظهر، وآخر بعدها. وبين الظهر والعصر كان يجلس ثلاثة علماء للحديث والموعظة في وقت واحد كل منهم في ركن. وكانت حلقة العلامة الشيخ عبد الكريم عويضة، الأكثر ازدحاماً وهي بعد صلاة الظهر، وحلقة العلامة الشيخ صلاح الدين أبو علي رئيس البعثة الأزهرية في طرابلس ولبنان، وهي قبل صلاة العصر. ومن علماء الجامع في رمضان: الشيخ رفعت الضناوي والشيخ إبراهيم السندروسي، والشيخ جميل عدره، والشيخ فؤاد إشراقية، والشيخ رامز الملك، وغيرهم.

وكانت غرفة الأثر النبوي الشريف تشهد تلاوة جزء من القرآن الكريم، بعد صلاة العصر من كل يوم. ويتوالى على التلاوة الشيخ عمر العريف، والشيخ نصوح البارودي، والشيخ علي عرب، والحاج محمود الصائغ، والمقرئ الشيخ محمد صلاح الدين كبارة. ويتقدم الحضور مفتي المدينة والعلماء. وكانت العادة أن يختموا القرآن كله يوم التاسع والعشرين من رمضان تحسباً أن يكون الشهر الكريم من 29 يوماً فقط. وعند ختم القرآن الكريم كان يتولى الدعاء الشيخ علي عرب بلهجته التركية وصوته القوي، ويتضمن الدعاء أسماء سُور القرآن كلها (114 سورة). ثم يقوم الحاج توفيق الشلبي، قيّم الجامع، برش العطور من المسك والزعفران على الحضور، ويعطر القاعة بالبخور ويوزع الحلوى ويتبادل الحضور التهنئة بختم القرآن وانقضاء شهر الصوم.

وكان للنساء الطرابلسيات نصيب في الاستماع إلى الدروس الدينية في الجامع حيث كان يُرفع حاجز من القماش الأبيض في القسم العلوي الشرقي من الحرم، وتأتي إليه النسوة من زقاق «القرطاوية» فيُصلين ويجلسن لسماع الدروس إلى صلاة العصر.

أما الظاهرة التي تنفرد بها طرابلس عن غيرها من المدن العربية والإسلامية فهي زيارة الأثر الشريف في الجامع المنصوري الكبير، وهو شعرة من لحية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يتزاحم المؤمنون لتقبيل هذا الأثر الشريف والتبّرك به مرتين فقط من آخر يوم جمعة في شهر رمضان، المرة الأولى عقب صلاة فجر يوم الجمعة، والمرة الثانية عقب صلاة ظهر الجمعة مباشرة.

وهذا الأثر الشريف أهداه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى طرابلس مكافأة لأهلها على إطلاق اسمه على الجامع الذي يقوم في حارة النصارى. وكان قديماً يعرف بجامع التفاحي، وتعرض للخراب، فأعاد الطرابلسيون بناءه بمساعدة من السلطان لهذا أطلقوا اسمه عليه فأصبح يسمى «الجامع الحميدي»، واتفق علماء المدينة بعد التشاور أن يضعوا هذه الهدية في الجامع المنصوري الكبير لكونه أكبر جوامع طرابلس ولوقوع الجامع الحميدي في ظاهر المدينة، فأقيمت حجرة تحت الرواق الغربي من الجامع وضعت فيها الشعرة الشريفة وأصبحت تعرف بغرفة الأثر الشريف. ويقوم مفتي المدينة بنفسه بحمل العلبة التي توضع فيها الشعرة، وهي معطّرة بالمسك، ويتقدم الزوار منها فيقبلونها تبركاً بدءاً بالرجال، ثم تليهم النساء. ويقف العلماء بجانب المفتي ويصدح المنشدون بمدائحهم النبوية. ولا تزال هذه الزيارة معمولاً بها إلى الآن.

almustaqbal
أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0