الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | تخوف من جنوح القضية نحو السياسة والطائفية

تخوف من جنوح القضية نحو السياسة والطائفية

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

خلافات عقارية حادة بين حوارة الضنية وحوارة زغرتا

بين «حوارة الضنية» و«حوارة الزغرتاوية» مسافة نصف قرن من النزوح والهجرة. البداية كانت سنة 1958، حين نزح أهالي بلدة حوارة من جرود الضنية إلى القضاء الأقرب إليهم. وحلوا ضيوفا عند أقارب لهم في زغرتا، ليعودوا بعدها إلى قريتهم والبلدات المتفرعة منها بعد نحو خمس سنوات من غربة قسرية أسفرت عن بيع عدد منهم لأراضيه في مسقط رأسه بأسعار بخسة. كما أسفرت عن تشتت أهالي البلدة بين من هاجر إلى بلدان الانتشار، ومن رغب البقاء في مكان نزوحه. إلا أن النزوح دقّ أبوابهم مرة ثانية، وذلك خلال أحداث عام 1975. عندها نزحوا بشكل كامل، وأسسوا حارة لهم في قضاء زغرتا تابعة عقاريا لبلدة كفردلاقوس، ومنها إلى حارات أخرى، حاملين معهم اسم بلدتهم الأم أينما حلّوا، ورفعوه سواء على محالهم التجارية أو على كنيستهم التي شيدوها في حوّارتهم الزغرتاوية.

أكثر من نصف قرن، عانى خلاله الأهالي ما عانوه من بعدٍ عن أرضهم التي كانوا يعتاشون منها، زراعة لمواسم متنوعة من الخضروات، وتسويقاً لثمار من التفاح والإجاص والدراق، يقال إنها من أفضل الأنواع، ولكن رغم تلك المعاناة والتهجير المرحلي، لم يتحدث أحد بموضوع حوارة. فبدا وكأن اهلها هجروها برضاهم، أو كأنها مثل بقية قرى الضنية الجبلية يغادرها أهلها شتاء باتجاه السواحل، ليعودوا إليها مطلع الربيع، إلا أن هجرة حوارة الداخلية كانت بلا عودة، إذ أن أحداً من أبنائها المسجلين على لوائح النفوس لم يعد يمتلك متراً واحداً من الأراضي باستثناء مالك وحيد لأن هناك نزاعاً بينه وبين المالكين الجدد، على عدم دفع كامل المبلغ المتوجب له في ذمتهم، ما عرقل التسجيل. إلا أن السؤال الأبرز في موضوع حوارة هو، لماذا نام ملف البلدة المهجرة كل تلك السنوات، ليطفو اليوم إلى الواجهة طارحاً سلسلة تساؤلات حول ما قيل عن التعدي على أملاك المسيحيين، وما سيقال لاحقاً في ذلك الإطار، لا سيما أن مخاتير البلدات المجاورة لحوارة تداعوا إلى اجتماع، وقرروا عقد مؤتمر صحافي للردّ على ما أسموه «افتراءات مختار حوارة، ومحاولته إعطاء البلدة صبغة طائفية هي بعيدة عنها كل البعد؟».

مخاتير بلدات كفربنين، ودبعل، وبيت حاويك، وهي بلدات متاخمة لحوارة الضنية، اجتمعوا في مركز «جمعية النادي العلمي الاجتماعي البيئي» أمس، وتداولوا في الموضوع الذي اعتبروه «محاولة لتعكير الأجواء بين أهالي الضنية المسيحيين والمسلمين، وتصويرهم كأنهم اغتصبوا أرض المسيحيين في حواره، فيما هم اشتروا الأرض بموافقة أصحابها، وبأسعار حددتها لجان الكشف التي قامت بتخمين الأراضي»، كما قال مختار كفربنين أحمد محمد حيدر، لافتاً إلى أن «أراضي حوارة تقسم إلى قسمين، الأول البلدة، حيث الكنيسة، والثاني يسمى جورة المراح، التي باع أهلها أرضهم لجيرانهم أهالي كفربنين، وقبضوا ثمنها بموجب ما خمنته لجان مختصة، وهناك حجج وصكوك في ذلك، إما عند المخاتير أو عند كتاب العدل، أو في الدوائر العقارية، وقد عمدوا إلى شراء أراض بديلة عنها في قضاء زغرتا. وشيدوا عليها أبنية سكنوها ولا يزالون»، متسائلاً «كيف لمهجر من أرضه أن يشتري أراضيَ أخرى إذا اغتصبت ارضه»، داعياً «كل من يعتبر أن لديه حقاً، للجوء إلى القضاء المختص من أجل تحصيله».

من جهته فند مختار بلدة دبعل محمد فارس أحوال «الجارة حوارة، وطريقة انكفاء أهلها برضاهم عنها، وبيعهم أرضهم لمن يرغب بالشراء بكامل رضاهم، وبالتوافق وليس قسراً، كما يقول مختار حوارة الحالي طوني موسى». ولفت إلى أن «ما يقوله موسى عار عن الصحة، وإلا لما كانت الواجبات الاجتماعية مستمرة بيننا وبين أهالي حوارة، الذين نفتح لهم أبواب قلوبنا وبيوتنا، إذا رغبوا بالعودة وأرادوا استعادة الأراضي بحسب تخمين الأموال، التي دفعناها ثمن الأرض ومقاربتها بالأسعار الحالية. فنحن نقول لهم ألف مبروك ولم نكن بحياتنا طائفيين، أما أن يخرج احدهم ليقول إننا طائفيون ونهجر المسيحيين فهذا أمر غير مقبول، ونتساءل لماذا المسيحيون في قرى القرين، ومراح السفيرة، وسير، وحقل العزيمة، وعصيموت، وعاصون تيران وغيرها، لا يزالون في منازلهم ولديهم مخاتير في تلك البلدات وأعضاء في المجالس البلدية». أما مختار بلدة بيت حاويك خالد ناصر، فقال: «لقد اشترينا الأرض من جيراننا بموجب حجج وهم باعوا بكامل إرادتهم، أما أن يتهمونا بالطائفية فالأمر مرفوض، لأن الضنية من أقل المناطق اللبنانية التي قبضت من صندوق المهجرين، لأن التهجير في الأساس لم يطلها»، لافتاً إلى أن «أهالي حوارة لا يزال عدد منهم يصعد إلى البلدة، ويقوم بواجبات اجتماعية ويتفقد الكنيسة، ما يدحض المزاعم التي أطلقها المختار موسى».

في المقابل، مختار بلدة حوارة طوني موسى، الذي يحمل ملف حوارة ويجول فيه على المسؤولين المعنيين لإعادته إلى الواجهة، يقول «إنها ليست المرة الاولى التي يثار فيها موضوع مهجري حوارة، بل كان عقد أكثر من مؤتمر صحافي في ذلك الإطار، في حملة قادها كاهن البلدة الأب يوسف البيسري في التسعينيات، إلا أن القضية تم طمسها لأسباب وأسباب، ولكنني لن أتراجع اليوم تحت أي ضغط فنحن أصحاب حق، وتعرضنا للظلم والمعاناة، والسؤال لماذا نحن ما زلنا مهجرين؟ لماذا لم تهتم وزارة المهجرين بنا؟ لماذا نحن الذين ذقنا طعم وآلام التهجير لم نعد إلى بلدتنا ولم نقبض التعويضات المستحقة أسوة ببقية المهجرين في لبنان؟». ويكشف موسى أن هناك انتهاكات عديدة طالت البلدة، منها اقتطاع قسم من النطاق العقاري الخاص بها، وضمه إلى نطاق كفربنين من أجل استحداث بلدية فيها، إلا أن المخالفة الأبرز هي في كيفية اقتطاع تلك الأراضي»، مشيراً إلى أن «النطاق العقاري لحوارة يتعدى الـ 25 مليون متر مربع من الأراضي غير الممسوحة، وتشمل الأراضي الزراعية والأحراش والغابات»، متسائلا «كيف يحق لمختار غير منتخب من أبناء البلدة ولا يمثلهم، إصدار علم وخبر لبيع وتملك الأراضي الخاصة بالبلدة، بتلاعب فاضح ومخالف للأنظمة والقوانين المرعية الإجراء». واعتبر موسى أنه «لحل المشكلة يجب اخلاء الممتلكات المصادرة ودفع التعويضات للأهالي، وتأليف لجنة لحل النزاعات والمشاكل الناتجة عن الحرب أو التي ستظهر في المستقبل، بالإضافة إلى الوقف الفوري للتعدي على النطاق العقاري للبلدة». ويكشف موسى عن «مفاوضات تجري ليتم تحويل القرية إلى قرية نموذجية لكل المهجرين»، لافتا إلى «أن اللقاءات تتكثف ما قد يؤدي إلى حلّ المشكلة بطريقة تعيد للمهجر حقوقه»، مشيراً إلى أنه «في دوائر النفوس وعلى لوائح الشطب لا يوجد إلا مذهب واحد لأهالي البلدة، منذ إنشائها، فكيف اصبح هناك استملاك لأناس من غير مذهب وأين صكوك البيع؟ وعلى أي أساس حصل ذلك البيع وباي ثمن؟»، لافتاً إلى أنه «في عمليات البيع للأراضي غير الممسوحة، يجب الرجوع إلى مختار البلدة»، ولم يراجعه أحد في ذلك، معترفاً بأنه «حصلت بعض عمليات البيع سابقا، إنما لا تتعدى الـ 15 بالمئة، وبأبخس الأثمان، وذلك ليس حبا بالبيع إنما للمحافظة على الأرض».

وقد جال موسى، على حد قوله، على أهالي البلدة «الذين أكد أكثر من نصفهم أنه مستعد للعودة، إذا تمت معالجة الأمور». وحصل على تواقيع نحو ستمئة مواطن من البلدة، أبدوا استعدادهم للعودة إذا تمت معالجة الأمور، وأيدوا ما تضمنه ملف المختار من وثائق ومعلومات. وتساءل موسى «عن أي نزوح يحاول البعض الحديث، وإذا كان الأهالي يريدون النزوح هل كانوا عاودوا شراء الأراضي حتى العام 1972»، لافتاً إلى أنه «تم الكشف على البلدة من قبل لجنة من وزارة المهجرين، وأن أحد وجهاء البلدة أكد عملية التهجير واحتلال الأراضي والممتلكات»، معتبرا أنه «إذا فقد ملف تهجير حوارة عن قصد أو عن غير قصد، فيجب إعادة دراسة وضع البلدة وكشف الحقائق. وهو واجب على المعنيين وحق للمواطن عليهم».

اهالي حوارة الذين توزعوا بين بلدات ارده، ورشعين، وزغرتا، والرميلة وغيرها من بلدات قضاء زغرتا، يتطلعون اليوم إلى ذلك الملف باهتمام، إنما ايضاً بانقسام في ما بينهم، على غرار كل القضايا التي تدخل فيها السياسة، فالمختار السابق فرج البيسري يرى أنه «حصل تهجير في البلدة، إنما معظم عمليات البيع تمت بموافقة الطرفين البائع والشاري، وأن الأهالي فضلوا البقاء في قرى وبلدات قضاء زغرتا كي لا تتكرر تجارب الهجرة والنزوح الداخلي القسري، وهم باعوا أراضيهم وقبضوا ثمنها باستثناء اقلية منهم». وبين الحديث عن «نزوح لأهالي حوارة بإرادتهم» والحديث المقابل عن «تهجير قسري» تعرضت له البلدة، مساحة واسعة من التحليلات والتأويلات التي يفسرها كل واحد من المعنيين بالملف حسب نظرته الخاصة للأمور، فيما يحتاج الملف إلى وقفة ومراجعة حقيقية لتبيان الصحيح من الخطأ، لأن جرح التهجير الذي يختم على زغل لا بد أن يتسبب بالتهابات طائفية.

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0