الرئيسية | الصفحة الرئيسية | مقالات مختارة | كلام هادئ عن باب التبانة... حتى لا تتكرر تجارب الموت المجاني من جديد

كلام هادئ عن باب التبانة... حتى لا تتكرر تجارب الموت المجاني من جديد

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

نبيل الزعبي

حتى منتصف العام 1976، كانت منطقة باب التبانة، هي الحاضرة الاقتصادية الأهم لمدينة طرابلس، والعصب التجاري الأساسي للشمال، المتوزعة أقضيته بين عكار، الضنية، زغرتا، بشري، الكورة والبترون. هذا، فضلاً عن تواصلها، بالداخل السوري، عبر شارع سوريا الذي يقطع المنطقة من أول سوق القمح حتى محلة الملولة بما يضم من مؤسسات اقتصادية ومحلات تجارية ووكلاء محليين لماركات مشهورة، تجاورها أسواق أخرى، تبيع بالجملة والمفرق، منها ما يستأثر بتصريف الإنتاج الزراعي كاملاً للشمال والداخل السوري، من خضار وفاكهة وحمضيات وغيرها كسوق الخضار، ومنها ما يحصر تعاطيه التجاري في "مال وقبان" القمح والحبوب الأخرى كسوق القمح، إلى سوق الثياب والأحذية والأدوات المنزلية، وتجارة التمور، الممتد من أول طلعة العمري حتى محلة السويقة، هذا، فضلاً عن العديد من المطاحن المتوزعة على ضفاف نهر أبي علي، وعشرات العيادات الطبية والمدارس الخاصة، ودور السينما المتوزعة بين أحياء المنطقة، مؤشرة إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي المريح لأهالي وسكان باب التبانة التي سميت من أجل ذلك بـ"باب الذهب"، ولطالما كانت مقصداً لكل طالب حاجة، أو عاطل عن العمل يبحث فيها بسهولة عن لقمة عيشه، وحتى الطلاب من مختلف المناطق اللبنانية لم يكونوا ليضيعوا على أنفسهم فرص العطل الصيفية للعمل الموسمي فيها، خاصة في موسم البطيخ في سوق الخضار.

وعندما نتكلم عن باب التبانة، فإنما نشير إلى منطقتي الجبل والبعل معاً، فالجبل أو "فوق" هو المصطلح الذي يطلق على الجانب الأيمن لشارع سوريا باتجاه الملولة، ويبدأ من أول طلعة العمري صعوداً نحو حي المهاجرين وكواع القبة، وبعل محسن التحتاني، وبعل الدراويش، إلى بعل محسن الفوقاني، إلى الأحياء الأخرى المتفرعة المؤدية إلى طلعة الشمال.

والبعل أو "تحت" هو كل المنطقة الواقعة على يسار شارع سوريا باتجاه الملولة، وتضم بالتالي الأحياء التي كان كل منها يشكلُّ "بعلاً" ابتداء من بعل كرامي، إلى بعل السراقبة، بعل الحداد، بعل الزعبي، بعل الدقور، بعل سلطان، منطقة محطة جابر والبازار، إلى بعل حربا، الذي استحدث مع بداية السبعينيات من القرن الماضي، ويمتد على طول المنطقة المحاذية لأوتوستراد نهر أبي علي، وغيره.

التبانة العصب الاقتصادي المحرك في طرابلس

أما من الناحية الديمغرافية، فلم تكن المنطقة تشهد هذا الواقع الاجتماعي البائس الذي بدأ يتغلغل إليها بعد العام 1976، وإنما كان سكانها يتوزعون بين العائلات التي استملكت في المنطقة منذ بداية القرن الماضي، إلى التجار الذين فضلوا الجمع بين أماكن سكنهم وتجارتهم، إلى أبناء الأقضية المجاورة والداخل السوري الذين يتابعون مصالحهم من خلال إقامتهم فيها، هذا فضلاً عن الطبقات الأخرى التي لم تكن لتشعر بالفقر والحاجة، بقدر الشعور بالاكتفاء الذاتي وحالة التعاضد بين الأهالي التي شكلت الصورة المثلى لمجتمع الحارة العربية.

التبانة مثال للتعايش الوطني

ومن هنا، فقد كان من الطبيعي أن تجد بين سكان التبانة، مواطنين من مختلف الطوائف والمذاهب اللبنانية وحتى الاثنيات القومية، متوزعين بين أبناء البلد من لبنانيين وسوريين وأرمن وأكراد وتركمان ومسيحيين ومسلمين سنة وعلويين وشيعة جعفريين واسماعيليين، إلى عائلات يهودية استمرت حتى منتصف خمسينيات القرن الماضي، ومع كل ذلك لم تكن جرثومة التعصب المذهبي والطائفي والعنصري لتتمكن من التدخل داخل هذا النسيج الوطني والاجتماعي، وحتى ابن المنطقة لم يكن ليتجرأ على سؤال جاره أو يتحقق من انتمائه الديني أو المذهبي، ليس خوفاً وإنما حياءً وخجلاً وشعوراً بخدش علاقات الجيرة أن هو فعل ذلك، ولو تمت مراجعة الصحائف العقارية العائدة للمنطقة لتبين كذب وعدم مصداقية الفرز الطائفي الحاصل اليوم وكيف أن ملكية العقارات في المنطقة تتوزع بعكس ما هي عليه من انتماء مذهبي للتواجد السكاني، والعكس بالعكس.

التبانة مقلع للنضال

الوطني والقومي

أما على الصعيد الوطني، فالتبانة لم تكن جزءاً لا يتجزأ من قلب العروبة النابض المتمثل في طرابلس وحسب، وإنما كانت أيضاً على مدى التاريخ خزاناً بشرياً هائلاً يرفد الصراع الوطني والقومي والاجتماعي بخيرة أبنائه من الشباب المتحمس المدافع عن قضايا الأمة ضد الطامعين في أرضها وحقوقها ومصالحها العامة، ولاسيما قضية فلسطين، دون أن نغفل الدور الذي لعبته الحركات الوطنية والقومية والنقابية وما قدمته من تضحيات جلَّى في سبيل ذلك.

التبانة ضحية الصراعات الضيقة

وربَّ متسائل عن واقعية هذا الكلام، أو طوبا وتيه، مقارنة بالحالة الراهنة التي يعيشها أبناء باب التبانة اليوم، ويدفع ثمنها الفقراء والفقراء فقط، بعد أن أخذ النزوح من المنطقة إلى مناطق أخرى منحى تصاعدياً خاصة بعد العام 1986 الذي شهد أعمالاً دموية رهيبة ما زالت ترسباتها حتى اليوم، ولعلها إلى جانب الخلفيات التاريخية والسياسية الأخرى، ما زالت غافلة عن أذهان من يجتمعون بين الفينة والأخرى لمعالجة أوضاع المنطقة، فيتناولون الشكليات والمصالحات الفوقية الهشة، دون المخاطرة بوضع أصابعهم على الجرح النازف وإغلاقه لمرة واحدة والى الأبد.

وإذا كنا لسنا بوارد نكئ الجراح في هذه المناسبة، فإن ذلك لا يمنع من تحميل أكثر من طرف وجهة سياسية إقليمية ومحلية مسؤولية كل ما جرى لهذه المنطقة، غير أن الموضوعية تقتضي الجهر بأن النظام الطائفي السياسي اللبناني، هو من يتحمل الجزء الأساسي من هذه المسؤولية لأنه ومنذ ما سمي بالاستقلال، كرَّس مختلف حالات الغبن والأقلوية لدى هذه الطائفة أو تلك، وتركها لا تشعر بالأمان إلا بتطلعها إلى الاستقواء بالعامل الخارجي على حساب الانتماء الحقيقي للوطن الذي يحتضن شعبه بمختلف طوائفه ومذاهبه وتلاوينه ويفتح فرص التقدم والتطور للجميع دون استثناء.

إن ما يعز على ابن باب التبانة اليوم، هو أن لا يذكر اسم هذه المنطقة إلا لدى كل جولة من جولات العنف المدِّمر والموت المجاني المراق على قرابين المصالح السياسية المحلية والإقليمية، وكأنه قد كتب على هذه المنطقة أن تتحول إلى مسرح دائم للموت المجاني، تُشخَّص على حفر ووحول أحيائه الداخلية واسمنت منازله المتصدعة التي اقتلعت منها الأسقف والجدران، أحدث أعمال القتل والتدمير وإسالة الدماء الزكية الساخنة التي لم ولا تعرف بأي ذنب أزهقت.

يعز على ابن التبانة، أن يُزَّح اسمه باستمرار في بازارات الاستجداء المعيشي على موائد السياسيين وأمراء الطوائف، والطارئين على العمل الوطني، كما أنه مصابٌ اليوم بجرح معنوي كبير لما تصوره اليوم وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، وخاصة الفضائيات العربية، وكأن التبانة باتت بؤرة للإرهاب والتطرف متجاهلين الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمشكلة والعوامل الخارجية والداخلية المؤثرة فيها.

يعز على ابن التبانة، أن يختصر الاهتمام به اليوم ببضعة كيلوغرامات من المواد الغذائية وعلب السردين، فيما هو بحاجة ماسة إلى "الصنارة" التي يستطيع بها تحصيل عيشه بنفسه وبجهوده.

الحل يكمن بمعالجات

وطنية واجتماعية

مشكورةٌ هي الجهود التي تبذل اليوم للمصالحات وتهدئة النفوس... وممنونةٌ هي الوعود التي تطلق لتحسين أوضاع المنطقة والتي باتت بحاجة إلى ترجمات عملية على الأرض.

غير أن كل ذلك لوحده لا يكفي، وسيعيد إنتاج المشكلة من جديد لدى كل تصعيد سياسي و"شد حبال" المتصارعين، المطلوب إشراك أبناء التبانة في عمليات البناء والإعمار لمنطقتهم بالتحديد وبشكل أساسي، وإعادة الحياة الاقتصادية لها باستيعاب الأيادي العاملة المعطلة عن العمل، ومحاربة البطالة والآفات المنبثقة عنها وهنا نتساءل:

ما الذي يمنع أرباب المال السياسي في طرابلس والشمال من إعادة تشغيل المصانع التي تم إغلاقها منذ العام 1975، بعد أن تحولت إلى مبانٍ خرسانية صمَّاء تنتظر من يعيدها إلى الحياة.

مصانع الحديد والصلب والخشب المضغوط والغزل والنسيج والمرطبات والمشروبات الغازية التي كانت قائمة في منطقة البحصاص، ولوحدها، كانت تستوعب آلاف الأيدي العاملة وبثلاث ورديات عمل في اليوم بنهاره وليله، وبقليل من المال السياسي الشاغل شغله هذه الأيام ليصرف على هذه المصانع، سيزاح عن المدينة واحدة من أثقل همومها ومشاكلها، إلا وهي البطالة.

- شارع سوريا في التبانة الذي انطلقت من على أرصفته وداخل متاجره، الأسماء المشهورة من الاقتصاديين والتجار الطرابلسيين، لو أعيدت له الحياة، بجهود هؤلاء وحسب، بإمكانه أن يعيد عقارب الساعة إلى ما قبل العام 1975، لتعيد إلى باب التبانة "باب ذهبها" المسروق.

- بلدية طرابلس التي تملك ملفات كاملة عن مختلف الأوضاع المحلية والبلدية في منطقة باب التبانة وما يلطخها من إهمال وحرمان، قادرة على إيجاد الحلول الإنمائية لهذه المنطقة بدل الاكتفاء في توصيف أحوال المنطقة ومن بعيد فحسب، وكأن التبانة تابعة لمدينة أخرى وفي عالم آخر.

رؤية في برنامج للحل

لا يجوز بعد اليوم أن لا تتذكر التبانة، إلا مع أزيز الرصاص وصخب المعارك العسكرية، بل ينبغي أن نستغل الهدوء الحاصل الآن للتفكير في تدبير كل ما يساهم في إرساء قواعد السلم والأمان والحياة الكريمة لهذه المنطقة، وأن ذلك ليس بالمستحيل قطعاً بل يتطلب:

1- إجراء مصالحات حقيقية على الأرض، تنتج عن مصارحات متبادلة، انطلاقاً من أن أحداً لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن الآخر في هذا البلد، أو يلغيه، أو يستقوي عليه بالخارج، مهما كانت سطوة هذا الخارج وجبروته، فالتجارب علمتنا أن القوي لا يبقى قوياً ولا الضعيف يبقى ضعيفاً، ومن الجريمة قانوناً، والحرام شرعاً أن يتوارث الأبناء عن الآباء أحقاداً وضغائن لن تؤدي إلا إلى المزيد من الخراب والانتحار الجماعي.

2- تطبيق القوانين على كل من يريد جر التبانة إلى سكة الموت، بدل طريق النجاة، من بعض المتضررين وأمراء الحرب الصغار، وتجفيف مختلف وسائل الدعم والمال والسياسي والعسكري عنهم، وهذا ليس بالمستحيل على "دولة القانون" إن أرادت.

3- تفعيل دور الأحزاب والقوى الوطنية العابرة للطوائف والمذاهب، في هذه المنطقة وإعادة الاعتبار إليها، بعد أن تم إلغاؤها وبشكل تدريجي ومبرمج منذ ثلاثين عاماً سواء بالترهيب أو بالتدجين أو "بالتمذهب" وللأسف، وتشجيع الجمعيات الخيرية والإنسانية والاجتماعية على إيلاء المنطقة الجزء الأكبر من اهتماماتها.

4- إن قيادات وكوادر وطنية وشعبية ووزراء ونواباً حاليين وسابقين، وأعضاء بلدية واقتصاديين كبار وتجاراً ومترسملين ومثقفين ونخباً طرابلسية، تنتمي حكماً إلى منطقة باب التبانة (الجبل والبعل) باعتبارها مسقط رأسهم ومثبتة رسمياً في سجلات نفوسهم الشخصية، وبإمكان هؤلاء تشكيل قوة ضغط كبيرة في السعي لعقد مؤتمر وطني ترعاه الدولة اللبنانية بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويخصص لإنقاذ المنطقة واعتبارها "منكوبة" بكل ما للكلمة من معنى ووضع كافة الإمكانيات الخاصة والعامة في سبيل إعادتها إلى الحياة الحرة والكريمة من جديد.

أخيراً، لقد قيل الكثير في التبانة، وكتب عنها القليل، فيا حبذا لو نبدأ بالكلمة الموضوعية والصادقة تجاه ما يجري على أرضها اليوم، انطلاقاً من الواجب الوطني والأخلاقي، وهذا أضعف الإيمان.

16\12\2014

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg | Post To FacebookFacebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 مرسل):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0